الصفحة 36 من 54

وإذا كان التحول عن المضارع إلى الماضي في السياقات السابقة قد دل على الرغبة في حصول الحدث وتحققه، فإنه قد يرد في سياقات أخرى ليدل على النقيض وهو الرغبة في الانصراف عن الفعل وتركه، وهذا يدل على أن السياق هو الذي يحدد الدلالة المناسبة للتحول، من ذلك قوله تعالى: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [لقمان، 12] .

سبقت الإشارة في هذا البحث أن فعل الشرط إذا جاء ماضيًا، وحقه أن يأتي مضارعًا كما هو الأصل اللغوي، فإنه يدل على تحقق الحدث وحصوله، وقد يرد ماضيًا لأسباب أخرى كالتفاؤل أو لإظهار الرغبة في وقوعه -كما سلف ذكره-"أو للدلالة على حصول الحدث مرة واحدة، في حين أن المضارع قد يفيد تكرار الحدث وتجدده" [1] .

وكل الدلالات السابقة قد يقبلها الفعل ولكن السياق -كما أسلفنا- هو الذي يحدد الدلالة المناسبة للتحول إلى الماضي، فقد ذكرنا في سياق سابق أن التحول إلى الماضي"أنفقتم"في قوله تعالى: { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْن } [البقرة، 215] قد أفاد الرغبة في هذا الإنفاق فأتى به ماضيًا وإن كان مستقبلًا في المعنى، في حين دل المضارع السابق له في السياق نفسه"يسألونك ماذا ينفقون"على التجدد والاستمرار في النفقة، فأراد المولى -عزوجل- الرغبة عند المكلفين في تحقق الحدث وحصوله على صورة التجدد والاستمرار، فنكون بذلك قد جمعنا بين أكثر من دلالة في سياق واحد إذا احتملها السياق، وكذلك الحال نفسه في هذه الآية التي نحن بصددها، فيرى فاضل السامرائي أن سر مجيء الفعل (يشكر) بصيغة المضارع، و (كفر) بصيغة الماضي؛

"لأن الشكر يتجدد ويكثر، وليس كذلك الكفر، فإن الكفر يحصل ابتداء ويبقى"

صاحبه عليه إلا إذا شاء الله، فالشكر عمل يومي متجدد بخلاف الكفر الذي هو الاعتقاد" [2] ."

(1) معاني النحو، 4/58.

(2) معاني النحو، 4/58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت