الصفحة 38 من 54

والحقيقة أن دلالة التحول إلى الماضي ينبغي فهمها من السياق نفسه، وبالمقارنة بالفعل المتحول عنه، مع افتراض بقاء التركيب على أصله ثم النظر إلى البدائل الأسلوبية الحاصلة في السياق وما أضفته من بعد دلالي جديد، فسياق الآية يذكر الشكر بصيغة المضارع (من يشكر) ثم تحول عنه إلى الماضي، بقوله: (ومن كفر) ، فالسياق سياق ترغيب وحث على الطاعة والشكر وتنفير من الشرك والكفر، بدليل سياق { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [لقمان، 12] .

وجاء بعدها على التو: { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان، 13] ، فجاء قوله تعالى: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [لقمان، 12] ، بين أمر ونهي، فهو مسبوق بأمر بالشكر"أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ"، وملحوق بنهي"لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ"، فالسياق كله أمر بالإيمان والشكر ونهي عن الكفر والشرك. فدل المضارع في الحالة هذه على التجدد والاستمرار للحث على تجدد الشكر واستمراره، ومحاولة الوصول فيه إلى مرتبة من الكمال والتمام، ثم تحول عن ذلك في التعبير عن الكفر بالماضي"ومن كفر"، تغييبًا لحدث الكفر، وعدم التوقف عنده رغبة للانصراف عنه والترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت