فهرس الكتاب
قال الرازي (ت 606هـ) [1] :"وفي هذه الآية قال في الشكر (ومن يشكر) بصيغة المستقبل، وفي الكفران"ومن كفر فإن الله غني حميد"، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد، كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر [2] ، فنقول: فيه إشارة إلى معنى، وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع، فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران".
الصورة الثالثة: التحول عن الماضي إلى الأمر:
ويمثل ... الفعل الماضي في هذه الحالة (جملة خبرية) في حين يمثل فعل الأمر جملة (إنشائية طلبية) ،"والتحول عن الأسلوب الخبري إلى الأسلوب الإنشائي يهدف إلى تحقيق أغراض بلاغية تتوزع على الوظيفة الانفعالية (المتكلم) والوظيفة الافهامية (المتلقي) كدلالة الرضا بالواقع الصياغي حتى كأنه مطلوب تحقيقه في الواقع بالفعل" [3] .
من ذلك قوله تعالى: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } [الأعراف: 29] .
حصل التحول في هذا السياق عن الماضي إلى الأمر (وأقيموا) "ولو جاء السياق على أسلوب واحد، لقال: (أمر ربي بالقسط وأمركم أن تقيموا وجوهكم) " [4] .
(1) تفسير الرازي، 25/146.
(2) ليس كذلك، بل بينهما فرق في المعنى كما سبقت الإشارة إليه في هذا البحث، وهو أن مجيء الشرط ماضيًا دليل على الرغبة في تحققه وحصوله، ومجيئه على أصله المضارع شرط مطلق، فقوله: من دخل داري فهو حر، فمع دلالة الشرط، فيه مزيد حث وحظ على الدخول، وقوله: من يدخل داري فهو حر، شرط محض، وليس فيه مزيد تأكيد على ذلك، وسياق المقام هو الذي يحدد النظم المناسب للكلام.
(3) تحولات البنية في البلاغة العربية، 132.
(4) الطراز: 2/137.