فهرس الكتاب
فالمستوى السطحي [1] :
أمر ( ... ( أقيموا
ماضٍ ... ( ... ... ( أمر
والمستوى العميق:
أمر ... ... ... ... (أمر) بإقامة
ماضٍ ... ... ... ماضٍ
وندرك سر هذا التحول من ارتباط هذه الآية بما قبلها، إذ هي رد على مقولة الكفار التي ذكرها المولى عزوجل بقوله: { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 28] .
وجاء الحديث عن الأمر بالقسط بأسلوب خبري، وإن كان متضمنًا معنى الإنشاء (أمر ربي بالقسط) إذ معنى ذلك (أقسطوا) ولكنه جاء بأسلوب خبري ولم يأتِ أمرًا مباشرًا.
فلم يقل:"قل أقسطوا وأقيموا"وذلك للدلالة على أمرين:
الأول: أن فعل الماضي في (أمر ربي بالقسط) يدل على تحقق ذلك الأمر وحصوله، فهو"مبدأ موغل في القدم، به قام ميزان السموات والأرض، ولذلك أسند الفعل الماضي إلى الذات العلية (ربي) ، ليعمق الإحساس بالقدم والتمام، لأن الأمر صدر عن الذات الأزلية" [2] .
والثاني: أن القسط هو ما أمر الله به وشرَعَه، سواء التزموا به أم لم يلتزموا، فلا يغير ذك من أمره شيئًا، فهو أمر أزلي استقام عليه أمر الكون والحياة، ولو قال:"أقسطوا"لكان الأمر موجهًا إليهم على وجه الخصوص، ولم يفد تحققه في الزمن الماضي واستمراره في الحاضر والمستقبل، فالفعل (أمر) فعل سلب منه الزمن، فهو دال على الأمر بالقسط مطلقًا، ثم تحول إلى الأمر (وأقيموا) للدلالة على أنه ما دام أمر الله بالقسط أمرًا أزليًا كونًا وشرعًا، فحقكم أن تنفعلوا لأمره الكوني، ومراده الشرعي، فتحققوا معنى القسط في حياتكم بإقامة وجوهكم للصلاة له عند كل مسجد.
(1) أي: على سطح البنية، وإلا فما جاء على سطح البنية هو العمق في الدلالة نفسها، وإنما هذا الافتراض على مقتضى المطابقة في السياق.
(2) تحولات البنية في البلاغة العربية، 324.