فهرس الكتاب
نجد السياق كله يدل على أن الأحداث الواردة فيه قد حصلت في الزمن الماضي، بقرائن لفظية: (ولقد علمتم، اعتدوا، فجعلناهم، فقلنا، فجعلنا) ، فالزمن المسيطر على السياق هو زمن الماضي، ولكن السياق تحول عن الفعل الماضي إلى الأمر بقوله:"كونوا قردة"؛ لأن في الأمر"كونوا"شدًا للانتباه بالتحول الحاصل في السياق؛ مما جعل الأمر مركزًا على بؤرة الحدث الهامة وهي تحول ذواتهم إلى قردة خاسئين، وفيه دلالة على سرعة تحقق الحدث وحصوله مستمدًا ذلك من قدرة الآمر عزوجل- القائل للأشياء: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [يس: 82] ، وكأن المولى -عزوجل- قد أمر الحدث نفسه أن يكون فكان، فإذا بذواتهم قد انفعلت لهذا الأمر الإلهي على وجه السرعة فانمحت معالم البشرية والإنسانية منهم ليصبحوا مسخًا حقيقيًا حاصلًا فيهم، ففي الأمر دلالة على قوة إيقاع الحدث وتحققه لا تكون في الماضي في ما لو كان السياق على نحو"فجعلناهم قردة خاسئين"؛ لأن الأمر يدل على شدة غضب الجبار عليهم، وصدور الأمر منه على وجه السرعة والقوة والجبروت.
وهذا السياق سياق تحول وتغيير، فكما حصل تحول في أشكالهم وذواتهم رافق ذلك تحول في التعبير عن ذلك الحدث، فوافق تحولَ المبنى تحولٌ في المعنى.
قال أبو حيان (ت 745هـ) [1] : "فقلنا لهم"كونوا"أمر من الكون، وليس بأمر حقيقة؛ لأن صيرورتهم إلى ما ذكر ليس فيه تكسب لهم؛ لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم قردة بل المراد منه سرعة الكون على هذا الوصف، كقوله تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [يس: 82] . ومجازه أنه لما أراد منهم ذلك صاروا كذلك".
(1) البحر المحيط،: 1/246.