فهرس الكتاب
وقد يرد التحول إلى الأمر للدلالة على كيفية وقوع الحدث، كما في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } [البقرة: 243] .
يخبر السياق عن حدث مضى، وكان يقتضي أن يكون"فأماتهم الله ثم أحياهم"، ولكنه تحول عن الماضي إلى الأمر"موتوا"، للدلالة على أن الحدث قد وقع بسرعة وقوة شملت جميع المخاطبين فلم يتخلف عنه أحد، وأن الموت قد تلبسهم جميعًا في لحظة واحدة، ولو قال:"فأماتهم"لما كان في الماضي دلالة على ذلك، ولكان المعنى أنهم قد ماتوا فحسب، يقول الزمخشري (ت 538هـ) [1] :"فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم"، فإن قلت: ما معنى قوله: فقال لهم موتوا قلت: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالًا من غير إباء ولا توقف كقوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون".
ثم مثَّل الفعل الماضي"فأحياهم"تحولًا عن الأمر إلى الماضي، لدلالة توحي بأن القدرة الإلهية هي التي أحيت كما أماتت، إذ ليس بمقدور الأموات أن يكونوا أهلًا للخطاب وتوجيه الأمر إليهم فيما لو قال ثم (احيوا) وفيه إشارة إلى مطل الزمن مع التراخي الذي يشي به الحرف (ثم) مع فعل الإحياء، حتى يشاهد بعضهم بعضًا لحظة الإحياء فيكون ذلك أشد وقعًا على النفس وأثرًا.
(1) الكشاف، 1/377-378.