فهرس الكتاب
ويرد التحول عن الماضي الذي يمثل جملة خبرية إلى فعل الأمر الذي يمثل جملة إنشائية بقصد التفريق بين مضمونهما، منه قوله تعالى: { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } [الحج: 30] .
حقق التحول عن الماضي (أُحِلَّتْ) الذي هو جملة خبرية إلى الأمر (فاجتنبوا الرجس ... ) الذي يمثل جملة إنشائية طلبية دالة التفريق بين الخبر والإنشاء، فالخبر بصيغة الماضي في قوله تعالى:"وأحلت لكم بهيمة الأنعام"يشير إلى تحقق حصول الحل وتلبسهم به منذ زمن، وفي ذلك مزيد فضل عليهم وامتنان، ثم استثنى مما أحله من الأنعام ما يتلى عليهم فأتى بصيغة المضارع، وحقه أن يأتي بالماضي لمطابقة السياق فيكون"إلا ما تلي عليكم". فأفاد المضارع هنا الاحتراز؛ أي: ما يتلى عليكم من المحرمات في هذه الآيات وما سيعقبها من محرمات لاحقة لا ما قد ذكر في آيات سابقة فحسب، ثم تحول عن الإخبار إلى الإنشاء والطلب فقال:"فاجتنوا الرجس من الأوثان"، وفي التحول عن الإخبار إلى الإنشاء، وهما أسلوبان مختلفان من أساليب العربية إشارة إلى اختلاف مضمونها مبنىً ومعنىً، فالحلال يختلف تمامًا عن الحرام وبينهما بون شاسع، لذلك حسن مجي الأمر بالاجتناب ليكون هذا التحول في الأسلوب لافتًا للنظر إلى الاختلاف بينهما، وأن الرجس من الأوثان وقول الزور لا يدخلان في الحلال.
ولو جاء السياق على نسق واحد من الإخبار، فقال:"وأحلت لكم بهيمة الأنعام وحرم عليكم الرجس من الأوثان وقول الزور"، لما كان فيه من الدلالة المذكورة في المفارقة ما في هذا التعبير.
وازداد الانفتاح الدلالي بإيجاد العلاقة السببية بين الأسلوبين، فكأن السياق القرآني يشير أيضًا إلى أن امتثال أوامر الله -عزوجل- هي سبب في حفظ ما أحله الله، وسبب في بقاء نعمته على العبد، فبينهما علاقة السببية من وجه والمفارقة من وجه آخر.