فهرس الكتاب
الصورة الرابعة: التحول عن المضارع إلى الأمر
ويتحول عن المضارع إلى الأمر للدلالة على اختلاف الفعلين، نحو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام وقومه: { قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } [هود: 53-54] . فأتى بالفعل المضارع ابتداء فقال:"أُشْهِدُ الله"ثم تحول عنه إلى فعل الأمر عند مخاطبة قومه فقال: (واشهدوا) ، ولم يقل:"وأُشْهِدُكم"فخالف في المطابقة بين الأفعال، على نحو من التباين بين البنية السطحية والعميقة، على النحو التالي:
المستوى السطحي:
أُشْهِدُ ... ( ... ... اشهدوا
مضارع ... ( ... ... أمر
المستوى العميق:
أُشْهِدُ ... ( ... ... أُشْهِدُكُم
مضارع ... ( ... ... مضارع
لقد تضمن هذا السياق تحولًا عن صيغة المضارع (أشهد الله) إلى صيغة الأمر (واشهدوا) ، وذلك لإبراز البون الشاسع بين الإشهادين، فإشهاده الله إشهاد صحيح وثابت عن اعتقاد ويقين، وإشهاده إياهم ليس إشهادًا حقيقيًا وإنما هو على سبيل السخرية والتهكم والتحدي لإرادتهم [1] ، لذا أتى به بصيغة الأمر (واشهدوا) ليشير إلى الهوة الكبيرة بين الطرفين: طرف آمر وحقه أن يطاع وهو (هود) عليه السلام، وطرف آخر مأمور حقير الشأن وهم قوم هود.
ففي الأمر (اشهدوا) دلالة واضحة على البراءة التامة بين الطرفين وعلى التحدي القوي من قبل نبي الله هود لقومه، فأبرز هذا التحول"مواقف الطرفين المتباعدين عن طريق ذكر صيغة المضارع التي توضح تشريف الطرف الأول وقوته وعظمته ثم التحول عنها إلى صيغة الأمر الدالة على حقارة شأن الطرف الثاني وبطلان موقفهم الذليل" [2] .
(1) انظر: الكشاف، 2/276.
(2) تحولات البنية في البلاغة العربية، 326.