الصفحة 47 من 54

والذي يظهر أن قوله تعالى:"ولنبلونكم"فيه معنى إنشائي، هو طلب الصبر منهم على البلاء؛ لأن الإخبار بذلك مآله طلب الصبر على ذلك البلاء، فيكون (بشر) معطوفًا على (لنبلونكم) لما فيه معنى الطلب،"ولكنه تحول عن أن يقال: فاصبروا وأبشروا إلى ما عليه النظم ليكون الخبر المؤكد في (لنبلونكم) مفجرًا الرغبة والعزم على الصبر ومقابلة البلاء به" [1] .

ومنه قوله تعالى: { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } [مريم: 46] .

ففي هذه الآية تحول عن الفعل المضارع (أرجمنك) إلى الأمر (واهجرني) ولم يقل: (ولأهجرنك) .

وقد علل الزمخشري وغيره أن فعل الأمر (اهجرني) "معطوف على محذوف يدل عليه لأرجمنك؛ أي: فاحذرني واهجرني؛ لأن لأرجمنك تهديد وتقريع" [2] .

فالفعل (لأرجمنك) فيه تهديد ووعيد بإبراهيم -عليه السلام- مضمونه إنشاء، يراد به تحذيره من سب آلهتهم المزعومة، وكأنه يقول: إذا لم تنته فاحذرني.

الصورة الخامسة: التحول عن الأمر إلى الماضي

منه قوله تعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ للطائفيين وَالْعَاكِفِينَ والركع السجود }

[البقرة: 125] .

في هذا السياق القرآني تحولان: تحول عن الماضي (جعلنا) إلى الأمر (اتخذوا) ، ثم إلى الماضي (عهدنا) ، وذلك على النحو الآتي:

(جعلنا) ... ( ... ...(اتخذوا) ... ((عهدنا)

ماض ... ( ... ... أمر ... ( ماض

(1) السابق، 20.

(2) انظر: الكشاف، 2/511، والمحرر الوجيز، 11/34، ونظم الدرر، 12/206، وتفسير أبي السعود، 5/268، ومسالك العطف بين الإنشاء والخبر، 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت