فهرس الكتاب
ففعل الأمر (اتخذوا) مثل تحولًا عن الأصل السياقي وهو الفعل الماضي (جعلنا) ، ثم أصبح يمثل أصلًا سياقيًا جديدًا للفعل الماضي (عهدنا) فمثل الفعل (عهدنا) تحولًا عن الأمر إلى الماضي.
والتحول عن الماضي (جعلنا) إلى فعل الأمر (اتخذوا) فيه شد لانتباه المتلقي للنص القرآني، وذلك"لتقوية"روابط الاتصال بينه وبين النص؛ لأن السياق القصصي المروي ليس غريبًا عنه، وإنما يحتوي على أمور تهمه وتتصل به، يجب الحرص عليها وإحياؤها، لتكون مسيرته موصولة بتراث سابقيه" [1] ."
ويرى الزمخشري [2] أن هناك فعلًا ماضيًا محذوفًا تقديره:"قلنا"قبل فعل الأمر (اتخذوا) ، أي: وقلنا اتخذوا، وذلك لاطراد الأفعال الماضية في السياق، ولتختفي المخالفة في الأفعال، والحقيقة أن الحذف نفسه على -رأي الزمخشري- قد أظهر فعل الأمر بارزًا في السياق لدلالة مراده ينبغي التوقف عندها وفهمها، وهي -كما ذكرنا- مقصود منها شد انتباه المتلقي للعمل بهذا التوجيه الإلهي من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، ثم استمر السياق في السرد الحكائي للأحداث الماضية بعد ذلك.
ويحسن التنويه في هذا السياق إلى قراءة نافع وابن عامر بصيغة الماضي (واتَّخَذُوا) بفتح الخاء، وعلى هذه القراءة ينتفي التحول، إذ يصبح السياق كله سياق سرد ماضٍ، وتمثل كل قراءة وجهًا من وجوه الإعجاز القرآني، فورود القراءة بصيغة الماضي (واتَّخَذُوا) تفيد الإخبار عن الأمم السابقة من المؤمنين أنهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
ويرى ابن خالويه (ت 370هـ) [3] :"أن الله أمر بذلك المسلمين من هذه الأمة مبتدئًا ففعلوا ما أمروا به فأثنى بذلك عليهم وأخبر به، وأنزله في العرضة الثانية".
(1) تحولات البنية في البلاغة العربية، 327.
(2) انظر: الكشاف، 1/310.
(3) الحجة في القراءات السبع، 87.