{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي لا تدَّعوا شيئا غير ما يعلمه الله.
فالله- سبحانه- يعلم غيب السماوات والأرض يعلم كل ما خفي وكل ما تجلى غيب السماوات والأرض.
{ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ سورة آل عمران، الآية: 153 ] ، { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
فالحاصل أن في هذا دليل على أن الإيمان الذي في القلب لا يعلمه إلا الله- تعالى- وأن الناس يحكمون بما ظهر لهم ولا يزكون أحدا إلا من زكاه الله تعالى.
فلا يجوز أن نقول: هذا نشهد له بأنه مؤمن وأنه تقي وأنه ثقة وأنه عابد، بل نقول: يظهر لنا منه أنه مسلم وأنه مستسلم وأنه مطيع، وأما سره فهو إلى الله- سبحانه وتعالى- ولا نزكيه لقول الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } [ سورة النّساء، الآية: 49 ] ولقوله تعالى: { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [ سورة النّجم، الآية: 32 ] .
التزكية هي التمدح، مدح الإنسان نفسه بأني مسلم، وبأني مؤمن وبأني تقي، وبأني منفق، وبأني، وبأني...
فهذا مما نهى الله- تعالى- عنه في هذه الآيات، وكذلك في هذه السورة؛ حيث أنكر على هؤلاء الذين يزكون أنفسهم.
في هذه الآية دلالة على الفرق بين الإسلام والإيمان، فمن العلماء من قال: إنهما- كما ذكرنا- يدخل أحدهما في الآخر، ومنهم من لم يصرح بذلك وهو شيخ الإسلام في كتاب الإيمان- مع توسعه- لم يصرح بأن الإسلام يحتوي على الإيمان، وكأنه اعتمد هذه الآية واعتمد حديث سعد لما قال: إني أراه مؤمنا، قال: أو مسلم أن الإسلام إذا أطلق وحده فلا يدخل فيه الإيمان، فلا بد أن الإيمان هو الذي تنبعث منه الأعمال.