الصفحة 22 من 28

ولعلَّ الحكمة فِي ذلك -والله أعلم-: خشية النَّبِي ج أن يكثر اللائي يهبن أنفسهن لو استنكح امرأة منهن، فيردَّهنَّ؛ فيحزنَّ، أو يقبلهن؛ فتكثر أزواجه جدًّا؛ فتزداد شواغله ومسئولياته، فلا ريب أن كثرة كاثرة من الصحابيات الجليلات يردن أن يحظين بشرف الزواج منه ج، فيكنَّ أمهات للمؤمنين، وأزواجًا للنَّبِيِّ الأمين فِي جنات النعيم.

مهما يكن من أمر؛ فإن من لطائف البخاري -كما يقول ابن المنير-: $أنه لَمَّا عَلِمَ الخصوصية فِي قصة الواهبة؛ استنبط من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رغبة فِي صلاحه، فيجوز لَها ذلك# [1] .

على كل حال: فإن حوادث العَرْضِ هذه خلخلت بعض المقولات الَّتِي كانت فِي عداد المسلمات، وفِي طليعتها: أن خطبة المرأة للرجل بِعَرْضِ نفسها عليه؛ عَيْبٌ، لا يَجوز مُجرد التفكير فيه.

على أن ثِمةَ فرقًا بين الهبة والعرض:

فالْهبةُ: تكون بغير مهر، ودون ولِي، ولا يَجوزُ لغير النَّبِي ج.

بِخلاف العرضِ: فلابد فيه من مهرٍ وولِي، ويجوزُ لغير النَّبِي ج.

قال ابن دقيق العيد: $وقولُها:"وهبتُ نفسي لك"مع سكوت النَّبِي ج: دليلٌ لِجواز هبة المرأة نكاحها له ج كما جاء فِي الآية، فإذا تزوجها على ذلك صح النكاح من غير صداقٍ: لا فِي الحال، ولا فِي المآل، ولا بالدخول، ولا بالوفاة، وهذا هو موضع الخصوصية، فإن غيره ليس كذلك، فلابد من المهر فِي النكاح، إما مسمًّى، أو مهر المثل# [2] .

فالعرض: نكاح شرعي، تَعرضُ المرأةُ فيه نفسَها على من تراه كفئًا صالِحًا، بِمهرٍ وولِيٍّ.

(1) المصدر السابق: (9/81) .

(2) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (4/47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت