فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 67

ولقد كان حُجَّةُ الإسلام الإمامُ الغزاليُّ رحمه الله تعالى ــ بحقٍّ ــ أوَّلَ مَن قام بتهذيب هذا العِلم، وتمييز غثِّه من سمينه، وترتيب أبوابه، فأصبح عِلمًا موافِقًا للشَّرْع واللغة والعقل السليم، ثم سار العُلماء بعد ذلك على مباحثه شرحًا وتوسيعًا وتحقيقًا وتدقيقًا (1) .

ولا بدَّ في هذه المقدِّمة الموجَزة أن نبيِّن مبادئ هذا العلم، ليكتملَ تصوُّره في ذِهن الطالب:

فقالوا في تعريف علم المنطق: إنه آلةٌ قانونيَّةٌ تَعصِمُ مُراعاتُها الفِكرَ من الوقوع في الخطأ (2) .

ومن هذا يُعلَم أن المنطقَ من علوم الآلة، أما كونُه عِلمًا فلكونه مضبوطًا بقواعدَ كليَّةٍ، بغضِّ النظر عن هذه القواعد: هل هي نقلية أم عقلية؟ وأما كونُه من علوم الآلة فلأنه من العلوم التي لا تُقصَدُ لذاتها، وإنما هي وسائلُ لِمَقصِدٍ أعلى، وعليه فَحكْمه يكون بالنَّظَر إلى ما يُوصِلُ إليه، فإن كان يُوصِلُ إلى مُحرَّمٍ فهو حرامٌ، أو واجبٍ فهو واجبٌ، وهكذا.

فعلمُ اللغة العربيَّة مثلًا من حيثُ كونُه عِلمًا، هو وسيلةٌ، أي: يُعَدُّ من علوم الآلة كالمنطق تمامًا، ولكنه من العلوم الواجب تعلُّمُها، خصوصًا على دارسي علوم الشريعة، لا لكونه عِلمَ آلةٍ، بل لتوقُّفِ فَهمِ خطاب الشارع عليها.

وكذلك علمُ المنطق يُعامَلُ بالطريقة نفسها، فبعض علوم الشرع يتوقَّفُ فهمُها على استِحضار بعض المسائل المنطقيَّة وفَهمها، ولذلك قالوا: إن النَّحوَ منطقٌ لُغويٌّ، وإن المنطقَ نحوٌ عقليٌّ، ولذلك شَرَطَه بعضُ العلماء في كتبهم كالإمام الغزالي رحمه الله (3) .

وأما موضوعُ علم المنطق: فهو المعلوماتُ التصوريَّةُ والتصديقيَّةُ من حيثُ صحَّةُ إيصالها إلى تصوُّرات وتصديقات أخرى لم تكن معلومة.

(1) ومن كتبه رحمه الله في علم المنطق كتاب «محك النظر» ، وكتاب «معيار العلم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت