فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 67

أقول: القياسُ من طرق الاستدلال غير المباشر، ويلحقُ به الاستقراء والتمثيل، والعُمدة في استحصال المطالب التصديقيَّة عند المناطقة القُدامى هو القياس دون الاستقراء والتمثيل، فهو المَقصِدُ الأعلى من الاصطلاحات المنطقيَّة، وعُرِّف بأنه: قولٌ مؤلَّفٌ من أقوال متى سُلِّمَت لَزِمَ عنها لذاتِها قولٌ آخرُ، كقولنا: «العالَمُ متغيِّر، وكلُّ متغيِّرٍ حادثٌ» هاتان مقدِّمتان مركَّبتان من قولين إذا سُلِّمَتا لَزِمَ عنهما لذاتِهما «العالَمُ حادثٌ» .

والمراد من «القول» أعمُّ من كونه معقولًا أو ملفوظًا، والمراد من «الأقوال» ما فوق الواحد، فالقولُ الواحد لا يُسمَّى قياسًا، وإن لَزِمَ عنه لذاته قولٌ آخرُ.

وقولُه: «متى سُلِّمَت» يُشيرُ إلى أن تلك الأقوال لا يلزمُ أن تكون مُسلَّمةً في نفسها، بل يلزمُ أن تكون بحيث لو سُلِّمَت لَزِمَ عنها لذاتِها قولٌ آخرُ، ليدخُلَ في التعريفِ القياسُ الذي مُقدِّماتُه صادقةٌ، والذي مُقدِّماته كاذبةٌ، كقولنا: «كلُّ إنسانٍ جمادٌ، وكلُّ جمادٍ حمارٌ» فإن هذين القولين وإن كَذَبا في نفسِهما، إلا أنهما بحيثُ لو سُلِّما لَزِمَ عنهما «كلُّ إنسانٍ حمارٌ» .

وقوله: «لَزِمَ» احترازٌ عن الاستقراء والتمثيل، فإنهما وإن سُلِّما ولكن لا يلزمُ عنهما شيءٌ آخرُ لإمكان التخلُّف في مدلولَيْهما (1) .

ويُمكِنُ أن نُيسِّرَ مفهومَ القياس ونُسهِّلَه على المبتدئ بأن نقول: هو الاستدلال من حال الكُلِّيِّ إلى حال الجُزئيِّ، ومثاله:

كلُّ نبيٍّ معصومٌ قضية كلية عامة

(1) يَعتبرُ ديكارت أنّ القياس إنّما هو عَرْضٌ فقط للحقائقَ المُندَرِجَةَ في المُقدِّمة الكبرى، وهو غير صحيح، لأنّ القياس ليس عرض للحقائق فقط، بل هو ربط بينها أيضًا للوصول إلى حقائق جديدة غير موجودة في كل مقدمة على حدا، وفي المقابل يعتبر لابينتز القياس أعظم ما ابتكره العقل البشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت