وإنما أريد أن أبين أن نظرتهم للمستقبل والتخطيط له سمة من سماتهم وسياسة رشيدة ساروا عليها ومن بعد نظرهم ونضج تفكيرهم رضي الله عنهم أنهم قاموا بجمع القرآن الذي كان مفرقًا في الرقاع والجريد والعظام وفي صدور القراء الحفَّاظ، لكنهم لما أحسوا بخطورة موت كثير من الحفاظ في حروب الردة سيما في حرب اليمامة ، فاستدركوا الأمر وبادروا بخطوات وقائية قبل فوات الأوان ، فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن ، فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك ما رأى عمر . قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وكنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتتبع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن . قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! قال: هو والله خير ، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما [1] .
فكانت تلك الخطوة التاريخية من أعظم الأعمال التي بسببها حفظ الله كتابه من الضياع ، فلم يُضع كما ضاعت التوراة والإنجيل .. إن هذه النظرة الثاقبة حفظت كيان الأمة بحفظ هذا الهدى والنور الذي أنزله الله تعالى للبشرية.
(1) البخاري 4 / 1720 و 6 / 2629 برقم ( 4402) ورقم ( 6768) .