وعلى نهج الصحابة سار التابعون في حفظ السنة ، لقد كان الصحابة يعتمدون على الحفظ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقليل منهم هم الذين كانوا يدونون ما حفظوا ، وتلقى التابعون عن الصحابة وحفظوا عنهم ما رووه لهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، غير أن عمر بن عبد العزيز وتوقعاته للمستقبل ونظره الثاقب رأى أن التدين سيرق في الناس ويكون حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرضة للضياع والتحريف والنسيان، فعمل رحمه الله على تشجيع العلماء في زمنه على كتابة السنة، وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن حزم قائلًا له: (انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا) [1] .
وبهذا التوجيه السديد والعمل الرشيد يكون عمر بن عبد العزيز قد وضع اللبنة الأولى في تدوين السنة وحفظها وضبطها ، وقد حفظ الله بتلك الجهود المصدر الثاني من مصادر التشريع وهي سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، وأحبط الله بذلك كيد الكائدين وحقد الحاقدين الذين كانوا يرومون الكذب والافتراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهناك نماذج كثيرة تدل على وعي السلف الصالح رحمهم الله واهتمامهم بالمستقبل ومبادرتهم بالأعمال التي تتناسب مع معطيات حاضرهم واستشراف مستقبلهم.
وسائل مشروعة ومساعدة لاستشراف المستقبل
هناك مجموعة من الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في استشراف المستقبل بعضها أساسي وبعضها ثانوي ، أما الوسائل الأساسية فيمكن تلخيصها في شيئين هما:
الأول: النظر في السنن الجارية التي تسير عليها الحياة ويجري على قانونها الكون.
(1) البخاري ج1/49.