ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق ، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا ، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها وديار مصر إلى آخرها ، وأكثر إقليم فارس ، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته ، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام ، وانحدر إلى القسطنطينية ، وأنفق أموالهما في سبيل الله ، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة . ثم لما كانت الدولة العثمانية - يعني خلافة عثمان بن عفان عليه رضوان الله - امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك ، الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن.
ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) [1] . ثم يعلق الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ بقوله:"فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا" [2] .
(1) مسلم 4 / 2215 برقم ( 2889) .
(2) تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير ط 1 ، مكتبة النهضة الحديثة ـ القاهرة / 1384هـ ـ 1965م،