والذي أميل إليه هو أن اليهود لهم إفسادات عديدة إذ هم أمة الفساد والإفساد ولكن الإفسادتين الكبيرتين التي تتحدث عنها الآيات مرتبطة بعلو، والعلو لا يتحقق إلا بقوة ودولة وسيادة. ومن المعلوم تاريخيًا أن اليهود بعد وفاة نبي الله سليمان - عليه السلام - كانت لهم دولة، ولكنهم بعد فترة من الزمن تنكبوا عن منهاج النبوة ، واحترفوا الإجرام والفساد ، انحرفوا وأفسدوا، وطغوا وبغوا وعطلوا أحكام الله وحاربوا الذين يأمرون بالقسط من الناس وقتلوهم فسلط الله عليهم ، من خرب دولتهم وضرب كيانهم وحطم بنيانهم، وكان أخر ذلك على يد بختنصر ( نبو خذ نصر) سنة 588 قبل الميلاد [1] . وانتهى اليهود كدولة وقوة منظمة منذ ذلك التاريخ وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة وقطعهم في الأرض كيانات متناثرة تعيش إما ملاحقة أو تحت حماية الأمم الأخرى حقيرة ذليلة . ثم لم تقم لهم دولة تتصف بالعلو الكبير والفساد العظيم إلا هذه الدولة القائمة حاليًا ، وإذا ما تأملنا الآيات التي تتحدث عن اليهود وإعادة الكرة لهم فإننا نجد انطباقًا كاملًا على هذه الحالة التي تعيشها دولة اليهود حاليًا.. فالذين سلطهم الله على اليهود في الماضي قبل الإسلام فأزال كيانهم ودولتهم هم من قبل العراق ، ويحتمل أن يكون بختنصر موحدًا سلطه الله على اليهود وتذكر الآيات بأن الذين يسلطون على بني إسرائيل أول مرة هم الذين يسلطون عليهم ثاني مرة ، بدليل أن الضمائر تعود عليهم في قوله سبحانه
(1) انظر مكائد يهودية عبر التاريخ لعبدالرحمن حسن حبنكة الميداني ط 5 ، دار القلم ـ دمشق ـ بيروت، 1405هـ ـ 1985م ، ص 430 وما بعدها .