[2] ومن ذلك إخبار القرآن عن انتصار الروم على الفرس . إنه خبر مثير يتعلق بمصير دولة من الدول الكبرى في ذلك الزمان ، في صراعها مع دولة أخرى ، إنها دولة الروم في صراعها مع دولة الفرس ، لقد هاجمت الدولة الفارسية الدولة الرومانية ، واستولت على ممالكها، واستباحت كل شيء فيها، وقتلت عشرات الألوف من النصارى المسالمين ، ودمرت الكنائس، وأقام الفرس بيوت عبادة النار في كل مكان ، وأكرهوا الناس على عبادة الشمس والقمر والنار ، وأحدث هذا النصر نشوة واستعلاء وكبرياء لدى كسرى ملك الفرس، يظهر ذلك من خلال الرسالة التي بعث بها إلى هرقل قائلًا فيها: ( من لدن الإله كسرى ، الذي هو أكبر الآلهة ، وملك الأرض كلها إلى عبده اللئيم الغافل هرقل ، إنك تقول: إنك تثق في إلهك ، فلماذا لا ينقذك إلهك المقدس من يدي ؟ ) واستبد اليأس والقنوط بهرقل، وكان جل تفكيره في الهرب والنجاة بنفسه .. إنها ذروة اليأس التي وصل إليها هرقل ، ووصل إليها الروم، وذروة الاستعلاء التي وصل إليها الفرس .. وإنها لحال أشبه ما تكون بحالة المؤمنين في مكة مع المشركين الذي يسومونهم أشد أنواع العذاب .. وفرح المشركون بانتصار الفرس على الروم، وحزن لذلك المؤمنون، وازداد بأس المشركين، واستفادوا من الظروف الدولية حين انتصر الفرس على الروم ، إذ كانوا يرون الروم وهم على الدين النصراني أقرب إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين منهم، وكانوا يرون الفرس أقرب إليهم من المسلمين لاجتماعهما على الوثنية. فبلغت النشوة أوجها عند المشركين بانتصار الفرس على الروم ، واعتبروا هذا انتصارًا لهم ، وأخذوا يرددون أمام المسلمين قولهم: ( لقد غلب إخواننا على إخوانكم ) وفي هذه الأجواء والظروف الحرجة عند الروم ، والضيق والشدة التي كان فيها المسلمون ينزل قول الله تعالى بخبر لم يتوقعه أحد من أهل الأرض لا من المسلمين ولا من غيرهم، نزل قوله تعالى:[الروم:
1ـ6].