إنّ ارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن أمرٌ واضحٌ جليٌ في كثير من كتب البلاغة ومصادرها الأساسية، إذ يكفي الاطلاع على عناوين بعضها لإدراك هذه العلاقة القويّة، فدلائل الإعجاز للجرجاني، ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للرازي، والطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للعلوي، والتبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن لابن الزملكاني، وغيرها من كتب البلاغة الأساسية التي كانت غايةُ بحثها الوصولَ إلى فهم الإعجاز في القرآن، ولذلك وُجدَ في كثيرٍ منها بابٌ لدراسة الإعجاز، وقد انتقد العلوي أولئك البلاغيين من أمثال السّكاكي وابن الأثير الذين لم يفردوا بابًا في كتبهم لهذا الموضوع، الذي كان يرى فيه الهدف المقصود، والغرض الأساسي من دراسة البلاغة [1] .
وقضية إعجاز القرآن التي كان العرب الأوائل في زمن التنزيل يُدركونها بفطرتهم اللغوية، أصبحت فيما بعدُ في العصور المتأخرة قضية فكرية تحتاج إلى التعليل العلمي بعد فقدان العرب لتلك الفطرة، وغدت حاجة المسلمين إلى إدراك هذا الإعجاز بالوسائل العلمية متاحة في عصرهم، وفي بيئة المتكلّمين كثرت أساليب الجدال بشأن الإعجاز، ولا سيّما بين المعتزلة وغيرهم من أصحاب المذاهب الكلامية، وأصبحت البلاغةُ وسيلة من الوسائل التي يعلّل بها الإعجاز ويُرد بها على الخصوم، وكانت حاضرة في علم الكلام حضورًا بيّنًا واضحًا.
(1) . انظر الطراز المتضمن لأسرار البلاغة: ج3 ص 368.