عرف الأدب العربي تراجعًا وضعفًا لاحظه النقاد ودارسو الأدب في العصور التي تلت القرن الخامس الهجري، وكان من نتائج ذلك اهتمام الدارسين - في الغالب الأعمّ - بقوانين البلاغة وشواهدها القديمة دون أن يجدوا في أدب بيئتهم حافزًا لهم يشحذ هممهم، ويدعوهم إلى دراسته وتحليله والاستشهاد به في مباحثهم البلاغية، وترتّب على ذلك كما هو بادٍ في كتب البلاغة ابتعاد البلاغيين المتأخرين عن البحث في عناصر الجمال الأدبي، وكان جلّ اهتمامهم منصبًا على القواعد والقوانين الصارمة التي هي في نظرهم بمثابة الأدوات الضرورية في تلقي الدرس البلاغي وتعلّم أساليبه، وترتّب على ذلك أيضًا جفافٌ في الأسلوب، ووعورة في طرق الأداء كان لهما حظّ في ذلك الغموض والتعقيد اللذين لمسهما الدارسون قديمًا وحديثًا.
ورأى أمين الخولي أيضًا أنّ اللغة العربية بعد القرون الثلاثة الأولى أصابتها عُزلة تامة أو ناقصة عن الحياة الاجتماعية، وكان من نتائج ذلك"أنّ البلاغة العربية حينما جُعلت درسًا تعليميًا يُمارس ويُزاول بطرق مدرسية منظمة، كانت ظروفه تقضي عليه بإيثار منهج تعليمي وأسلوب بحثٍ مدرسي له صفة واضحة معينة، هي الاتجاه إلى الناحية النظرية التعليمية التي تعتمد على الضبط العقلي، والقواعد المطّردة، والحدود الضابطة وما إلى ذلك، الأمر الذي يحقّق الغرض العام التهذيبي المحض، ولا يتحققُ معه في سهولة كثيرٌ من الغرض الأدبي العلمي الذي يُراد من تعلّم اللغة، ومعرفة أدبها وفنّها القولي، فالحالة الاجتماعية كانت تدفعُ إلى هذا المنهج، أو لا أقلّ من أنها ترجّحه" [1] .
(1) .فن القول، ط دار الفكر العربي، القاهرة، 1947، ص 70 - 72.