يرى الاتجاه الثاني أنّ تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة العربية كان محدودًا وربّما معدومًا عند عبد القاهر، ومثّلَ هذا الاتجاه أكثرُ من دارس منهم أحمد بدوي الذي انتهى في أبحاثه إلى ما يشبه اليقين من أنّ عبد القاهر لم يكن على صلة بكتابي أرسطو"الخطابة"و"فن الشعر"، فالموازنة بين ما كتبه أرسطو وما كتبهُ عبد القاهر في مسألة الاستعارة - مثلًا - تُري أنّ الصلة بين الدراستين إذا تشابهت في القليل فذلك لأنّ طبيعة العمل الفنّي تتشابه في اللغات بطبيعتها، ولذلك لم يستفد عبد القاهر كثيرًا ممّا كتبه أرسطو [1] ، وقارن أحمد بدوي بين موقفي أرسطو وعبد القاهر في مسألة فهم المعنى، وهي مسألة جوهرية في البلاغة العربية، فقال:"وقرّر أرسطو في بعض فصول الكتاب أنّ لذة الفهم الخالي من العناء هي إحدى اللذات الطبيعية لبني الإنسان، وأنّ الكلام الذي يعطينا مدلولَه في يسرٍ يهبُ لنا أكبر مقدار من اللذة العقلية، وهذه هي المزية الكبرى للمجاز". وعلى النقيض من ذلك كان رأي عبد القاهر الجرجاني الذي قرّر"أنّ المعنى إذا أتاك ممثّلًا فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له، والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أظهر، واحتجابه أشدّ" [2] .
(1) .عبد القاهر الجرجاني، ط مكتبة مصر القاهرة (د.ت) ، ص 316.
(2) . نفسه: ص 317، 318.