وأمّا محمد زغلول سلاّم فرأى أنّ تأثير القرآن في تربية الذوق العربي وصقله في محاولة كشف جمال الأساليب العربية أمرٌ واضحٌ لا يخفى، ولا يغيّر منه القول بأنّ بلاغة أرسطو قد تدخّلت في الميدان، فبلاغة أرسطو كما انتقلت إلى الفكر العربي، وبصورتها التي عرفت بين علماء العرب- وهي صورة مشوّهة منتقصة، فضلًا على أنّها لم تتمكّن من العقول، ولم تطمئن إلى طبائع العرب، لاختلاف البيئة والأدب والذوق- لا يمكن أن تكون آثارها ذات خطر كبير، أو جدوى كجدوى الأثر القرآني [1] ، وهو الرأي نفسه الذي تبناه إبراهيم سلامة في سياق إثباته أصالة البلاغة العربية وتميّزها عن بلاغة اليونان بمصدرها الأساسي القرآن الكريم فقال:"وبعد فإنّا لو سلّمنا أنّ الطباق يوناني، لأنه مبني على التضاد، والتضاد منطقي، وإذا كانت المقابلة يونانية لأنها مبنية على التشابه، والدلالة بالتشابه وبالمثل دلالة منطقية يعرفها أرسطو، وإذا كان الجناس يونانيًا، لأنه مخاتلة، ولأنّه تلاعب بالألفاظ، وإذا كانت الاستعارة نفسها والتشبيه نفسه يونانيين، لأنّ الأولى خروج الألفاظ تحت تأثير الانفعال، ولأنّ الثاني دلالة طبيعية يعمد إليها الإنسان - حتى البدائي - إذا أراد المناظرة والمماثلة والتدليل على أن الغائب مثل الحاضر، وإنّ كلّ هذه المعاني - زيادة على أنها إنسانية وحيوية في كلّ لغة حية - تتّجه إليها الأذهان الحية إذا وجد في طبيعة اللغة وفي حيويتها ما يساعد على ذلك" [2] .
(1) . أثر القرآن في تطور النقد إلى آخر القرن الرابع الهجري، ط 3 دار المعارف القاهرة، ص 245، 255.
(2) . بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، ط1 المكتبة الأنجلو المصرية القاهرة 1950م، ص:403، 404.