ومع أنّ إبراهيم سلامة لا يُنكر تأثير الفلسفة اليونانية في البلاغة العربية، إلاّ أنّه يرى في ذلك بعدًا حضاريًا يدلّ على قوّة التفكير العربي، واتساع أفقه، وقبوله للثقافات الأجنبية، ويدلّ من ناحية أخرى على الشخصية وقوتها، هذه الشخصية التي جعلت البلاغيين يتخيرون فيما ينقلون، ويدفعهم هذا التخير أحيانا إلى مخالفة ما ينقلون عنه ... وهكذا فعل العرب في بلاغتهم، فقد زادوا على الأبواب القليلة التي عرفوها من بلاغة أرسطو زيادة لم تخطر على بال، ولم ينقلوا إلى بلاغتهم إلا ما اتّفق مع أدبهم [1] .
وانتهى البحث في هذه المسألة عند السيد عبد الفتاح حجاب إلى أنّ صعوبة المنهج في بلاغة عبد القاهر مردّها محاولته إثبات الإعجاز القرآني، فقد كان متحمّسًا في إثباته لنظرية النظم باعتبارها مرجع الإعجاز، ولذلك فقد اصطبغ كلامه في كثير من الأحيان بصبغة جدلية حتمتها طبيعة البحث، وظروف نشأته ... ومع ذلك فقد أضفى على كلامه الجاف والصعب من روحه الأدبية، وحسّه الفني، ما خفّف كثيرًا من صرامته وتجهمه [2] . ومن هنا فإنّه إذا كان ذوقُنا اللغوي المعاصر لا يستسيغ بسهولة مثل هذه الفروق فليس معنى ذلك أنها تمحّلات فلسفية فكرية، لا تعتمد على أساس من واقع اللغة [3] .
(1) . نفسه: ص 400، 402.
(2) . عن البلاغة المفترى عليها، مقال بعنوان الصبغة الأدبية لبلاغة عبد القاهر، مجلة أضواء الشريعة، ص 276، 277.
(3) . نفسه: ص 292.