الصفحة 24 من 55

ومن الدارسين الذين ينفون نفيًا قاطعًا تأثّر بلاغة عبد القاهر بفلسفة أرسطو فضل حسن عباس، فقد ردّ على طه حسين والقائلين بتأثير أرسطو في البلاغة العربية، وتوصّل بعد البحث إلى أنّ عبد القاهر كان بعيدًا كلّ البعدِ عن فيلسوف اليونان، وكلّ المحاولات التي بُذلت لتُثبت تتلمذ عبد القاهر لأرسطو تقوم على التكلّف، والتمحّل، والشطط، والإغراب، والإدعاء، والتخمين، والاستنتاج من مقدّمات غير ثابتة [1] ، واستدل على ذلك بأنّ ثقافة عبد القاهر لم تكن من ذلك النوع الممزوج بالمنطق، فلم يعرف عنه تنكّره لمن قبله من العلماء، بل على العكس من ذلك، أخذ عن الكثيرين وذكرهم، ولم يُشر من قريب أو بعيد إلى أرسطو [2] . وحاول إثبات أنّ عبد القاهر لم يتأثّر بفلسفة أرسطو التي كانت قد انتشرت في عصره، بدليل أنّه ذكر المصادر التي أخذ عنها، ولم يذكر كتابي أرسطو، هذا كلّه قد لا يكون كافيًا في الاستدلال على نفي التأثّر، لأنّه ربما يكون قد أفادها من أساتذته، أو أنّه اطلع عليها مباشرة ولم يذكرها في ذلك المقام الذي عُني فيه بإثبات الإعجاز القرآني وتعليله لغويًا وبيانيًا، ومع ذلك كلّه فإنّ تأثّر عبد القاهر بالمنطق اليوناني إذا كان قد ثبت بالفعل؛ فإنّه لا يغيّر شيئًا في تلك الجهود التي بذلها في صياغة البلاغة العربية من جديد، وتحديده لنظرية النظم بطريقة علمية فيها كلّ عناصر الأصالة والإبداع.

(1) . نفسه: ص 222.

(2) . نفسه: ص203، 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت