الصفحة 25 من 55

ولعلّ من الآراء التي وازنت بين الاتجاهين السابقين ما ذكره أحمد مطلوب في هذا الشأن حيث قال:"مهما قيل في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام فإنها أثّرت في البلاغة العربية، وفي كتبها أمثلة من ذلك التأثير، ولن نذهب مذهب المنكرين ولا مذهب المتطرّفين، وإنما نقول إن الحياة الجديدة التي عاشها العرب في العصر العباسي كانت زاخرة بثقافات مختلفة ولا بدّ أن تؤثر هذه الثقافات فيما أنتجوه، وقد رأينا أن المتكلّمين أثّروا في البلاغة وكان للفلسفة والمنطق وكتب اليونان أثرٌ لا ينكر، وفي حديثنا عن بشر بن المعتمر، والجاحظ، وقدامة، وصاحب البرهان، وعبد القاهر، ما يغني عن البيان، ولكنّ الأثر لم يكن عظيمًا في هؤلاء لأنّهم عاشوا في عصر ازدهار الأدب، فظلّت البلاغة بعيدة عن هذا التأثير العظيم" [1] .

ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى تلك الآراء القيّمة التي ساقها محمود شاكر في تقويمه للبلاغة العربية القديمة، وكتب التراث ورجاله بعامة؛ فقد ذكر في سياق ردّه على أولئك الذين يستهينون بما كتبه البلاغيون بعد السكاكي بأن هذه الكتب جميعًا منذ السكاكي إلى الدسوقي كانت تقعيدًا لبعض ما كتبه عبد القاهر في كتابيه في البلاغة، فهو أول من أسّس علم البلاغة تأسيسًا بالغ الدقة، ومن طلب البلاغة منهما وحدهما، فقد وقع في بحر تتلاطم أمواجه، راكبه على غرر الغرق، والذي يضمن لراكبه النجاة هم الذين قعّدوا قواعد علم البلاغة، وكتبوا الكتب والحواشي وضمنوها دررًا لا يُعرض عنها إلاّ جاهل، ولا يذمّها ويحثّ الناس على الإعراض عنها، إلاّ من استهان بالعلم والعلماء [2] .

استنتاج:

(1) . مناهج بلاغية، ص 243.

(2) . انظر مقدمة أسرار البلاغة، تحقيق محمود شاكر، ط1 مطبعة المدني جدّة 1991م، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت