الصفحة 26 من 55

إنّ النظر المتأني في آراء الدارسين وأدلتهم، وما أسهموا فيه في توضيح هذه القضية يقودُ إلى حكم وسط بين المنكرين والمغالين، فتأثير الفلسفة وعلم الكلام في علم البلاغة أمر بيّن واضحٌ في الكثير من كتابات البلاغيين ولا سيّما السكاكي، وتؤكده حقيقة كون أولئك البلاغيين في غالبيتهم من المتكلّمين والأصوليين والفقهاء، ولكنّ حجمَ هذا التأثير لم يكن كبيرًا كما يرى أولئك المغالون، وإنّما كان ضمن حدود التأثّر والتأثير التي تعرفها الثقافات والعلوم في كلّ العصور، ثمّ إنّ الخصوصية الدينية والثقافية للعلوم عند العرب والمسلمين تنبني على خُصوصية مصادرها ومرجعيتها العليا المتمثّلة في القرآن الكريم، والسنّة النبوية، والتراث الحضاري للأمّة، ومن هنا فإنّ الاستفادة من الفلسفة والمنطق اليوناني كانت قائمةً على منهج الانتقاء، والاستفادة العلمية الواعية، وهو المنهج الذي أسهم في تطوّر علم البلاغة في الجوانب المنهجية والنظرية، وأعطاه نكهة العلم بعد أن علّل العلماء وفي مقدّمتهم عبد القاهر كثيرًا من المسائل العالقة تعليلًا علميًا يقبله المنطق والعقل، ولا ينفر منه الذوق، وإذا كان لكلّ عصرٍ ظروفه النفسية والاجتماعية التي تدفع به إلى اتخاذ إطار ونمط في الأدب والعلم يُؤثره على غيره من الأنماط والأطر، وإذا كانت الأساليب تختلف باختلاف الذهن والثقافة والنوع والغرض والحال والشخص الذي يتحدّث كما يرى أحمد حسن الزيّات [1] ، فإنّ القرن الخامس الهجري وما بعده كان بحاجة ماسة إلى نظريات علمية تفسّر قضية الإعجاز القرآني، وتبيّن أسرار الجمال في الأدب، وخاصّة بعدما فقد النّاسُ في ذلك العصر الفطرة اللغوية، وهي من أهمّ أدوات الفهم والإدراك التي فهموا بها بلاغة القرآن في عصر التنزيل.

(1) . انظر دفاع عن البلاغة، ط2، عالم الكتب القاهرة 1967م، ص 93،94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت