... ففي هذه الأقوال من الإشارات ما يدلّ على أنّ قدامى البلاغيين قد عُنوا بقضية التيسير في مصنّفاتهم، وقد تعرّضوا لها كلٌّ بمنهجه الذي ارتضاه لنفسه، ولكنّه التيسير الذي يناسبُ عصرهم ويلبّي حاجات الناس في ذلك العصر، وبالأسلوب الذي رأوه مناسبًا لأذواقهم، وهم سواء وُفقوا في ذلك أم لا فإنّهم كانوا يكتبون استجابة لما يتطلّبه محيطهم الاجتماعي والثقافي والمعرفي، ولذلك ليس من الإنصاف عند أولئك الداعين إلى تيسير البلاغة في العصر الحديث تحميل أولئك القدماء مسؤولية ما آلت إليه البلاغة في عصرهم، ذلك العصر الذي أسموه بعصر الجمود، وقد يكون الهدف من نقدهم للبلاغة القديمة ورجالها الرغبةُ في التجديد والإبداع والتحديث، إلاّ أنّه يسيء كثيرًا للتراث العلمي القديم، وينتقص من جهود أولئك الأعلام وكتاباتهم واجتهاداتهم، ومحاولة تفريغها من محتواها، بخيره وشرّه، وغثّه وسمينه، وتكفي الإشارة هنا إلى أنّ تاريخ علم البلاغة كغيره من العلوم محكوم بالظروف التاريخية التي تحكم كلّ بيئة وعصر، ولا سيّما الظروف المتعلّقة بالأدب وازدهاره، أو تراجعه وانحصاره، ونشير هنا أيضًا إلى أن تاريخ البلاغة في أوربا مرّ بمراحل مختلفة، وقد كان للفلسفة حضورها الواضح في علم البلاغة منذ أرسطو إلى العصر الحديث، ولكنّ التطوّر العلمي والثقافي، وازدهار المناهج النقدية جعل الدارسين يتجهون إلى تجديد البلاغة، والبحث في علم الأساليب من دون أيّة إساءة إلى بلاغتهم القديمة، ونفي تراثهم وجهود علمائهم الممتدة عبر قرون طويلة [1] .