التلخيص عملية قد تتجلّى في صورتين: تقليدية وإبداعية، فأمّا التقليدية فهي التي تُعنى بالنقل الأمين المركّز لمضمون النّص، أو الاستخراج المباشر لأفكار النّص الرئيسة، وأمّا الإبداعية فهي التي تُواجه النصّ وتقوّم اعوجاجه وتُضيف إليه الإضافات اللازمة [1] ، وقد ظهرت التلخيصات وانتشرت بصورتيها في كثير من الدراسات البلاغية بعد عبد القاهر، وإن كان قد اشتهر منها على وجه الخصوص تلخيصُ القزويني لمفتاح العلوم للسكّاكيّ، وانتشار التلخيصات بعد السّكاكيّ وعبد القاهر يدلّ على اهتمام قدامى البلاغيين بعملية التلخيص باعتبارها منهجًا ووسيلة إلى الإيضاح، وطريقة ضرورية لتبسيط مسائل البلاغة وعلومها الدقيقة.
وقد يُنظر إلى التلخيص على أنّه عمل مكرّر يقود إلى ركود العلم وجموده، ويترتّب عليه فتور همم الدارسين في البحث عن الجديد، وهو الأمر الذي انتقده ابن خلدون بشدّة وعدّه منهجًا مخلًا بالتعليم في العصور المتأخرة [2] ، ولكن قد ينظرُ إلى التلخيص على أنه نوعٌ من تيسير هذا العلم لتقديمه إلى الدارسين في كلّ عصر، وقد يلام أولئك الملُخِّصون على أسلوبهم الجاف لغلبة العجمة وتأثير علم الكلام عليهم، ولكنّ يبدو أنّ الذوق الأدبي في عصرهم كان ميالًا إلى هذا النوع من الأسلوب، ولذلك ينبغي ألاّ نحاسب القدماء بمقاييسنا العصرية، فروحنا الأدبية قد طرأ عليها تغيير كبير في الرؤى والأساليب والمضامين الفكرية.
(1) . طه، عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط1 المركز الثقافي العربي بيروت 1998م، ص 331.
(2) . انظر المقدّمة: ص 413، 414.