ويستنتج الباحث من هذا التحوّل إلى المختصرات والتلخيصات رغبة العلماء في تيسير البلاغة على الناشئة حينما أحسّوا عزوفًا من الدارسين عن قراءة المصادر الأساسية، ويبدو أنّ هؤلاء البلاغيين فكّروا في أساليب التيسير والإيضاح، وتوصّلوا إلى أنّ تأليف المختصرات التي اختصرت أبواب البلاغة هو الأسلوب الأمثل في التيسير والتبسيط مع إضافة ما يمكن إضافته عليها من ملاحظات وتصويبات واقتراحات وشواهد جديدة، ومن هنا لم يكن التيسير اختصارًا وتهذيبًا للمطوّلات فحسب، وإنمّا هو عرضٌ جديد للموضوعات يمكّن الناشئة من استيعاب البلاغة، مع إصلاح شامل للدرس البلاغي، والسعي إلى تخليصه ممّا علق به من شوائب أدت إلى ذلك التعقيد والغموض.
(2) الشروح:
انتشرت الشروح عند البلاغيين المتأخرين الذين عُنوا بكتاب التلخيص للقزويني، فقد انكبوا على شرحه بمناهج مختلفة، وانتقد كثيرٌ من الدارسين هذه الشروح باعتبارها سببًا في جمود البلاغة وتراجعها، فقد تحدّث محمد رشيد رضا عن ذلك فذكر أنّ المتكلّفين من المتأخّرين هم الذين سلكوا بالبيان مسلك العلوم النظرية، وفسّروا اصطلاحاته كما يفسّرون المفردات اللغوية، ثمّ تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البيان أشبه بالمعمّيات والألغاز، ورأى أنّ من أثر فساد ذوق اللغة اختيار هذه الكتب (الشروح) حتى صارت"حواشي السّعد" (أي التفتازاني) تطبع وتنسخ، وكادت كتب عبد القاهر تمحى وتُنسى [1] .
(1) . انظر مقدمة رشيد رضا في أسرار البلاغة للجرجاني، ط3 مطبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة 1939م، ص (د) .