الصفحة 5 من 55

... وملاحظة هذا التعقيد في مسائل البلاغة، جعلت هؤلاء الدارسين يسجّلونه في مصنّفاتهم، وقد حرّك هذا الأمرُ هِممَهم وجعلها متوجّهة إلى التصنيف والتأليف في هذا العلم بغرض إيضاحه وتيسيره لطالبيه، وتكثير مصنّفاته لدارسيه كما هو الشأن في علوم العربية الأخرى كالنّحو واللغة، وإذا سلّمنا بهذا التعقيد الذي سلّم به بعض قدامى البلاغيين مما دعاهم إلى البحث عن وسائل التيسير والإيضاح بالاختصار والشرح، فإنّه من الواجب البحث بدايةً في أسباب هذا التعقيد الذي لحق بعلم البلاغة وقادها إلى عهودٍ وُصفت بالجمود والتكرار، وندرة الإبداع وقلّة الفائدة [1] ، وعند البحث في جملة هذه الأسباب فإنّنا نجدُ أنّ تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة هو السبب الأبرز الذي عُنيت به الدراسات الحديثة أشدّ العناية [2] ، وقد ثارت بشأنه مناقشات لا يزال صداها موجودًا حتى الآن، ومع أهمّية هذا السبب في هذا السياق؛ فإنّ هناك أسبابًا خارجية أخرى لا تقلّ أهمّية عنه كان لها أثر بيّن في قضية التعقيد الذي لحق بالبلاغة - كما سنبيّن ذلك في المبحث اللاحق - مثل نشأة البلاغة في بيئة المتكلّمين والأصوليين، وكون الأكثرية الغالبة من علماء البلاغة من غير العرب، وارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن، وتراجع الأدب وعزلة العربية في العصور المتأخرة، ولا سيّما بعد القرن الخامس الهجري، ودراسة هذه الأسباب من شأنها الإسهام في الكشف عن الظروف التي رافقت تطوّر البلاغة منذ النشأة إلى عهود الازدهار والاستقرار، ووصولًا إلى عصور التراجع والتكرار.

1-نشأة البلاغة في بيئة المتكلّمين والأصوليين:

(1) .انظر مثلا: ضيف، شوقي، البلاغة تطور وتاريخ، ط دار المعارف، القاهرة (د.ت) ، ص 272، 273.

(2) . انظر السيد، شفيع، البحث البلاغي عند العرب، ط2 دار الفكر العربي القاهرة 1996، ص 115 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت