يلحظ الدارس لتطوّر علم البلاغة منذ نشأته إلى استقراره أنّ بيئة المتكلّمين والأصوليين هي البيئة التي نشأت فيها البلاغة وترعرعت، فما من عَلَمٍ من أولئك البلاغيين الجهابذة إلاّ له ارتباط أو مشاركة أو صلة ما بعلم الكلام أوعلم الأصول، والجمهور الغالب منهم - فيما يبدو - كان على صلة واطلاع على الفلسفة والمنطق، سواء أكانت الفلسفة العامة أم الفلسفة الكلامية، ويتّفق ذلك في أدوار حياة البلاغة نشأةً وتطورًا وجمودًا [1] ، فالجاحظ المعتزلي (255هـ) كان فضلًا على معرفته بعلم الكلام مُطلعًا على فلسفة اليونان، وعبد القاهر الجرجاني (474هـ) متكلّمٌ يحسن طرق الجدال والمناظرة، والفخر الرازي (606هـ) حجّة عصره في الأصول وعلم الكلام، وأبو يعقوب السكاكي (626هـ) أصولي ومتكلّم واسع الاطلاع على الفلسفة، والقزويني (739هـ) والتفتازاني (792هـ) على دراية عميقة بعلم الكلام، وحازم القرطاجنّي (684هـ) متكلّمٌ شديد الاتصال بفلسفة أرسطو، والعلوي (749هـ) ينافس الفخر الرازي في علم الكلام في الديار اليمنية، فهؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم ممن لم نذكر، هم من كبار المتكلّمين والأصوليين، وهم الذين عُنوا بالبلاغة دراسةً وتقعيدًا، وتهذيبًا وتلخيصًا، وعلى أيديهم تطوّرت البلاغة، إلى أن أصبحت علمًا محدّدَ القواعد والأصول، وهو في العربية بمثابة علم الأصول لمن أراد معرفة أسرار الإعجاز في القرآن، ورغبَ في تذوّق جمال اللغة وسحرها، ورام اكتساب الفصاحة والبيان في كلامه وأدبه.
(1) .الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ط1 دار المعرفة القاهرة 1961م، ص 129.