لعلّ من الأسباب الخارجية الأخرى التي أسهمت في ذلك التعقيد بطريقة غير مباشرة كون أولئك البلاغيين الأعلام - في الغالب الأعمّ - من غير العرب، وقد تنبه ابن خلدون في مقدّمته إلى هذه الظاهرة، وذكر أنّ أغلب العلماء في التاريخ الإسلامي هم من الأعاجم، وفسّر ذلك تفسيرًا حضاريًا بقوله:"إنهم أهلُ حضارة مقارنة بالعرب، ولأنّهم احتاجوا بعد فسادِ اللسان إلى وضع القوانين النّحوية، وصارت العلوم الشرعية كلّها مَلكاتٍ في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس، واحتاجت إلى علوم أخرى، وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربية، وقوانين ذلك الاستنباط والقياس، والذّبّ عن العقائد الإيمانية بالأدلّة لكثرة البدع والإلحاد" [1] . وأشار ابن خلدون إلى تأثير هذه الظاهرة السلبي في اللسان العربي فقال ملخصًا ذلك كلّه في صورة قاعدة مطّردة:"إذا تقدّمت في اللسان ملكةُ العُجمة صار مقصرًا في اللغة العربية" [2] .
إنّ أولئك البلاغيين الذين ذُكرت أسماؤهم آنفًا وغيرهم كُثُر هم من غير العرب، وهذا وإن كان مَيزةً في جانب العناية بالعلوم ووضع قواعدها كما ذكر ابن خلدون، فإنّه في الجانب الآخر وهو الأسلوب وطريقة الأداء مثّل عثرةً هي في مجملها الابتعاد عن مجالات الفن والأدب، يقول أمين الخولي:"إذا كانت عُجمة مع فلسفة فقد كَمُل البعد عن مجالي الفن وروحه بقدر البعد عن حسّ العربية وتمثّل روحها، وإدراك مجال الجمال فيها" [3] .
(1) . المقدّمة، ط1 دار الفكر العربي بيروت، 1997، ص 421،422.
(2) . نفسه: ص 443.
(3) . الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب: ص 130.