فهرس الكتاب
ومع أن كلامهم رحمهم الله تعالى كان قليلًا, إلا أنه كان مفيدًا فصلًا ،
يكفي فما فوقَّهم مُحَسِّرٌ ، وما دونهم مُقصِّرٌ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان كلامهم مربوطًا بعمل ، بخلاف من كان بعدهم ، فقد كثر كلامهم ، وقل فقههم ، وتقلص عملهم ، فأًصبح كثير من المتأخرين يقولون ما لا يفعلون ، ويكثر كلامهم بلا فائدة .
ثم قال رحمه الله تعالى: (( فما فوقهم محسِّر ، وما دونهم مقصِّر ) ). أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط ، فمن أراد أن يغلو ، ويثبت غير ما أثبتوه ، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات ، فما زاده عنهم فليست زيادته إلا نقص وخروج عن طريقتهم المثلى ، ومن دونهم أي الذين قصروا ولم يأخذوا بجميع ما جاءوا به وإنما اكتفوا ببعضه ، ونحو ذلك فهؤلاء مقصرون .
ولفظة محسِّر هنا لها بعض المعاني اللغوية المناسبة للمعنى المقصود هنا ؛ فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ، ولا على رأسه مغفر ، يسمى حاسر ، وجاء في قصة غزوة حنين أن رجلًا سأل البراء فقال له: (( يا أبا عمارة ، أكنتم فررتم يوم حنين ؟ فقال له البراء رضي الله عنه: لا والله ما ولَّى رسول الله( ولكنه خرج شبان أصحابه وخفافهم حُسْرًا ليس بسلاح ... ) ) (1) . فالحُسرْ جمع حاسر هم الذين ليس معهم سلاح ، وليس عليهم دروع ، ولا على رؤوسهم المغافر التي يتقون بها ضرب السيوف .
ويقول سبحانه وتعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ((الملك:3,4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ