فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 324

ومعنى حسير: أي كليل ، ضعيف من شدة النظر ، فإن الإنسان إذا نظر واستد نظره إلى شيء ولم ينته فيه إلى أمر ، رجع البصر حسيرًا كليلًا ، لأنه لم يصل إلى غايته . وهذا واضح ، فالإنسان منا لو قال له قائل: انظر هناك على بعد عشرين كيلو متراُ في ذلك الجبل ، فإن فيه بقعة بيضاء هل يمكنك أن تراها ؟ فيأتي هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل فيرى الجبل ، ولكنه يريد أن ينظر إلى تلك البقعة البيضاء أو نحو ذلك ، فتجده ينظر ، وينظر ، ثم في النهاية يكلُّ بصره ، وهذا الكلال جاء من شدة الغلو في النظر والمبالغة فيه .

يقول عمر بن عبد العزيز: (( فما فوقهم محسِّر ) )أي من أراد أن يقول: أنا أفضل من الصحابة ، ويثبت ما لم يثبتوه ، ويعمل ما لم يعملوه ، فهو محسر منقطع يرجع كليلًا ، ولهذا قيل: (( إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ) ) (1) . حتى في باب العبادة ، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه ، لما عزم على الصيام أوصاه الرسول ( بما أوصاه به من العبادة ، ولكنه قال أنا أستطيع أكثر من ذلك وما زال يتدرج معه الرسول ( حتى قال له:(( صم يومًا وأفطر يومًا ، لا أفضل من صيام داود ) ) (2) .

وعبد الله بن عمرو في شبابه كان قويًا مستطيعًا . لكنه في أخر عمره قال:

لقد قَصَر عنهم قومٌ فَجَفَوا ، وتجاوزهم آخرون فَغَلَوْا ، وإنهم فيما بَيْن ذلك لعلى هدًى مُستقيم )) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليتني أطعت رسول الله ( ، مع أن الأمر كله سنة ، لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله ( .

فالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر ، كان مآله في النهاية إلى الضعف والعجز ، ولهذا فإن الغلو مردود والتقصير مردود ، لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور التي ورد بها الشرع ، ووردت بها أدلة في الكتاب والسنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت