فهرس الكتاب
وعندما عاد عبده إلى مصر بعد قضائه مدة نفيه في الخارج تفرغ للتربية أكد في طروحاته عليها وعدها بديلًا للعمل السياسي ، وكان أبلغ درس تعلمه من تجربته السابقة في العمل السياسي انه وقف بصورة افضل على حقيقة ألاعيب السياسة الدولية ، ولاسيما سياسة البريطانيين ، مما ترك في نفسه ألما عميقًا عبر عنه بكرهه للسياسة ، وأساليب السياسيين ، التي تقتضي المناورة والمساومة وترك الجوانب التربوية خدمة للمصالح وتحقيقًا لها ، فتحدث بمرارة عن ذلك في رسالة بعثها إلى أحد أصدقاءه ورد فيها: (( أعوذ بالله من السياسة ، ومن لفظ السياسة ، ومن معنى السياسة ، ومن كل حرف يلفظ كلمة السياسة ... ومن ساس ويسوس ، وسائس وسوس ) ) [1] ومع ذلك كان لدى عبده تصورا واضحا لأبعاد المرحلة التي واجهها بعد عودته إلى مصر واكتسابه خبرة في مجال التعامل السياسي مع القوى التي كانت تتحكم بالسياسة المصرية سواء أكانت السلطات البريطانية أو سلطة الخديوي الضعيفة [2] . فوجد أن التكيف مع الأوضاع الجديدة، وطبيعة الاهتمام بتنشئة الجيل الجديد وتربيته تربية رصينة ، وتأسيس المعرفة على الحقائق العلمية والعقلية تفوق الاعتبارات الأخرى التي جعلت منه ، في مرحلة سابقة ، في أعداد المصلحين السياسيين ، ومن هذا المنطلق اتخذ موقفًا مغايرًا تمامًا من السلطات البريطانية الممثلة بسلطة اللورد كر ومر ، فاصبح يرى أن أي خطوة باتجاه التصادم مع تلك السلطة يمكن أن تزيد من ضعف وتفكيك ما تبقى من قوة التيار الإصلاحي الذي وضع لبناته الأولى وأدان فيها لأستاذه الأفغاني [3] ،
(1) قلعجي ، قدري / المصدر السابق ، ص71 ، أمين احمد ، المصدر السابق ، ص313 .
(2) المصدر نفسه ، ص313 .