ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينداح في ذهنه حلم اليفاع...
يغمض عينيه ليتقرى رواء الصورة:
رمال متماوجة لصحراء على امتداد الأفق.. وفي خط السراب يتبدى بهاء وجهها قمرأ أسمر، تنسدل عليه خصلات من شعرها تتناثر على الجبهة.. وعلى الشفتين إبتسامة، تشارك العينين الرائعتين البراقتين، وهما تدعوانه إليها بنداء آسر..
يسعى إليها.. تغوص قدماه في الرمال.. تتوضح الصورة أكثر.. يسعى من جديد.. تنحدر عيناه إلى أسفل.. إلى الجيد الأتلع.. وعلى الحلمة اليمنى تتبدى قطرة ندى تلتمع تحت الشمس حبّةً من اللؤلؤ
يسعى إليها من جديد
تغوص قدماه اكثر في الرمال.
يحاول عبثًا أن يتقدم..
يحاول إنتزاع قدميه من الرمال..
ينكفئ على نفسه..
والقمر الأسمر ما يزال يرنو إليه بالنداء الآسر..
ويتكرر الحلم نفسه.. ليلة بعد ليلة.. في الواقع الذي حوله، في بلدته البعيدة ، يبحث عبثًا عن صاحبة الوجه الذي يتبدى في الحلم اليتيم..
ليس حوله سوى وجوه محروقة، لسعتها الشمس في حقول العمل التي تتناثر فيها جوقات الصبايا في أيام البذار والغراس والحصاد وجمع الغلال ويصرخ:
-. أين أنت يا قمري الأسمر؟.
وتموت الصرخة في الحنجرة.. ويتطامن على نفسه كئيبًا، وحيدًا لا يريم.
ويرحل إلى المدينة
يحمل زوادته الفقيرة وحلمه اليتيم..
وتبدأ رحلة جديدة من المعاناة..
ضاع في شوارع المدينة الكبيرة وأبنيتها المتسامقة..
ضاقت عليه فسحة التأمل.. إنعدم الأفق المترامي الذي كان يتبدى له في أحلام النوم واليقظة.. وتقفز إلى رأسه السؤال:
-. ترى.. هل أرى في هذه المدينة الكبيرة قمري الأسمر؟. هل يصبح الحلم واقعًا؟.
كان أملًا مستحيل التحقيق في زحمة القامات والأقدام والمناكب..
وحدثت المعجزة..
بعد أربعين عامًا تحقق الحلم..
تبدى على أرض الواقع متجسدًا في هذه الصبية التي تدلف إلى مكتبه برفقة شاب.