فهرس الكتاب
ظلت مفيدة مسمّرة في مكانها.. كانت جملة (قصفوا الشام ) تطن في أذنيها.. أحست أن يدًا غريبة غادرة شكّت حربة في خاصرتها، وأن بيتها هو الذي قصف، وأن القذيفة دمرت المشرقة والرواق والمربعّين، الفوقاني والتحتاني ودفنت شجرة الياسمين العراتلي تحت الأنقاض، حتى القطة تصورتها جثة هامدة في ركن من أركان البيت المنهار..
غلى الغضب في رأسها، وفي صدرها.. أحست أنها صفعت على وجهها، زايلها الشعور بالخوف، وتملكها شعور آخر مغاير، هو مزيج من الغضب والإستنكار والحنق.. لا تدري كم لبثت واقفة وهي على هذه الحال، ولكنها إنتفضت فجأة على صوت رنين جرس الباب الخارجي وصوت أمها وهي تنادي:
-. الباب يا مفيدة..
هبطت الدرج متمهلة حزينة، وعندما فتحت الباب كان وجه العسكري يبتسم بود
-. عفوًا.. هل يسكن أسعد هنا؟. انا أخوه..
-. تفضّل..
قالتها دون تفكير، ودون أن تخبره بأن أسعد غير موجود، في الحالات العادية لا يدخل مثل هذا العسكري الدار قبل إستجواب تفصيلي من خلف درفة الباب..
كانت أمها واقفة في صحن الدار تستطلع خبر الطارق، وقبل أن ترتسم الدهشة على وجهها وهي ترى إبنتها تتقدم عسكريًا إلى الداخل، صاحت مفيدة:
-. هذا أخو أسعد يا ماما..
-. أهلًا وسهلًا.. تفضل يا بني..
وفي دقائق.. كانت ام مفيدة التي تختزن في رأسها كل أخبار الحي من خلال استجواب النساء في (( الإستقبالات ) )، قد عرفت كل ما تريد أن تعرفه عن شقيق جارها وحياته و موقعه من الحرب، وعرفت انه قادم من الجبهة في مهمة، وأنه سائق إحدى الشاحنات العسكرية، وانه ذهب إلى المستشفى الذي يعمل فيه أخوه فلم يجده هناك، فجاء يسأل عنه حيث يقطن، وعندما عرضت عليه أن تعد له كأسًا من الشاي شكرها بكلمتين فقط: انا صائم...