الصفحة 27 من 58

ولكن.. لماذا لا يبتسم لها بود كما فعل أخوه العسكري؟. إنه يتحدث إليها باقتضاب، وبنوع من الحذر، وحديثه إليها لا يخرج عن دائرة غسيل القميص، وإعداد القهوة، والسؤال عن الوالدة.. وأحيانًا يتبسط معها فيحدثها عن حبه للشام ولأحيائها الشعبية..

-. ولكنهم قصفوا الشام..

مرّت سحابة رمادية في جو الغرفة.. ومدَّ طيار بلا ملامح يده فشد مفيدة من شعرها.. صرخت .. ضربته بقبضتها على وجهه وصدره.. فأفلت شعرها.. هجمت هي عليه هذه المرة.. غرست اظافرها في وجهه.. سحبته إلى الزقاق.. نادت الجيران، نادت اهل الحي.."لست بحاجة إلى سلم يا أبا معتز لتصعد إلى سطح غرفة الغسيل وترى الطائرات.. هذا هو الطيار أمامك.. انه الطيار الذي قصف الشام.. وقصف بيتنا، والمربعين الفوقاني والتحتاني.. والرواق.. ودفن شجرة الياسمين العراتلي تحت الأنقاض.. وكذلك القطة"..

وفي الصباح.. أفاقت مفيدة متعبة، مهدودة الحيل، كان كابوس النهار قد اخترق رأسها وسريرها وأحلامها.. وعندما خرجت من المربع إلى أرض الدار كانت أمها تصب فنجانًا من القهوة لأسعد الجالس قرب البحرة الصغيرة وهي تسأله:

-. ولماذا انتقلت إلى المستشفى الآخر؟.

-. نحن مستنفرون لإسعاف الجرحى في هذا المستشفى

_. وهل يأتونكم بجرحى كثيرين؟.

_. طبعًا.. ليس هناك حرب بلا جرحى و لا ضحايا.. على كل حال انهم يدفعون الثمن غاليًا.. أسقطنا لهم عددًا كبيرًا من طائراتهم، وأسرنا عددًا من خيرة طياريهم..

-. وما آخر هذه الحرب؟.

-. لا أدري.. أنا طبيب أقوم بواجبي..

وفجأة.. وجدت مفيدة نفسها تقول لأسعد دون مقدمات

_. أخوك العسكري.. ظريف..

نظر إليها و ابتسم.. ونظرت إليها أمها وقد فاجأها قولها، فعقب أسعد:

_.إنه يبحث عن عروس.. ما رأيك؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت