فهرس الكتاب
نظرت مفيدة إلى وجه أسعد.. كان صامتًا.. ليس على وجهه أي معنى.. لم ينفعل.. لم يتألم.. لم يقل شيئًا تذكرت وجوه الأطباء الذين تراهم على شاشة التلفزيون وهم يجرون العمليات الجراحية، فانفتلت تركض عائدة إلى البيت والدموع تملأ عينيها
وقيل أن تصل البيت، دوّى في الجو أزيز الطائرات.. لم تخف.. لم يتملكها الرعب، ولا التجأت إلى الجدار..
كان الشباب الذين حولها يرفعون رؤوسهم إلى أعلى...
وصاح احدهم: هذه طائراتنا يا شباب متوجهة نحو الجنوب..
صفّق الجميع.. وهتفوا مهللين، رمى أحدهم- وكان يرتدي ثياب الفتوة- طاقيته في الهواء..
وإلى جانب مفيدة كانت إمرأة واقفة على كتفها طفل بيده كعكة يقضمها مبتهجًا.. أفلت الكعكة وراح يضرب الهواء بيديه الصغيرتين وكأنه يصفق..
ومرّ سرب آخر من الطائرات.. فعلا الهتاف اكثر..
-. إنها طائراتنا.. تتوجه نحو الجنوب
وهطلت الدموع من عيني مفيدة بغزارة.. احسّت انها دموع الفرح.. وانها مطر.. مثل المطر الذي تحمله المزن المفاجئة في بداية الربيع.
خيطان جديدان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تلقفه الزقاق الجانبي من حي الطنابر، اخر حي بطرف المدينة الشرقي في السابعة من الصباح، وجو آب يحمل كآبة ثقيلة مبكرة وكان على وجهه إعياء، وعلى جبينه تقطيبة حادة..
الطريق نفسها.. المشاهد نفسها.. البيوت الفقيرة تتراكب حوله كالصناديق المهملة، والمعمل القديم يرسل أزيزه من الضفة اليسرى للنهر الصغير، وحذاؤه القديم يضرب الإسفلت بعدم مبالاة عاجلة، بينما تدوي في رأسه أصداء كثيرة مختلطة تدق فيه بعناد وقسوة وإلحاح.. اصداء أصوات أطفاله الستة، وأنين زوجته الحامل، وطلبات والدته العجوز.