الصفحة 30 من 58

ماذا لو لم تنسلّْ ريح شتوية من النافذة الخشبية تلك الليلة؟ ماذا لو لم تصرخ زوجته فاطمة وتعلن أن مغصًا حادًا يقطع امعاءها؟. والطبيب.. طبيب القرية الوحيد يهرع دائمًا إنساني الخطوة.. ملهوف النظرات.. حلال ما يقبض.. لم يقبض منه شيئًا تلك الليلة.. في المرّة الأولى لا يستوفي أجرًا عن المعانية.. هذه عادته.. ويظل هو، إبراهيم، يحمل الحليب كل يوم للطبيب، فاطمة بخير، لم يعد المغص يعرف أمعاءها.. ماذا لو لم تنسل ريح شتوية من النافذة الخشبية تلك الليلة؟

كانت الأصداء تتزاحم في رأسه وأذنيه وعينيه فيشعر وكأنه يدور في دوامة يتغلغل صفيرها في مسام جلده بتلاعب خبيث، واستطاع ان يميز أصداء كلمات أمه المتلاحقة:

_. يا ابني دبرنا.. زوجتك ستلد اليوم.. هكذا قالت ام خليل الداية نحن بحاجة إلى الطعام، وإلى أجرة الداية، وإلى مصاريف كثيرة...

وضاعت أصداء صوتها فجأة مع صوت مرور شاحنة، وعندما إنقطع الصوت انداح إبراهيم في الدوامة من جديد:

قال طبيب القرية: أنت طيب ومخلص يا إبراهيم.. سآخذك معي إلى المدينة عندما انتهي من مهمة خدمة الريف في هذه القرية.. سأفتتح عيادة كبيرة في المدينة، وستعمل فيها مشرفًا.. ستعيش في المدينة انت وأسرتك حياة مرفهة، أفضل من حياتك هذه التي تدفنها هنا بين تراب الحقل وروث البقر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت