الصفحة 31 من 58

مسكينة أمه.. لا تحاول أن تتفهم وضعه.. ألم يستلف من أبي حمدي، صاحب الفرن، أكثر من نصف مرتب الشهر.. أم انها لا تعرف أبا حمدي الذي تحتقن اذناه باحمرار الغضب كلما طلب منه شيئًا على المرتب!. إنه يخشى إنفجار أبي حمدي يومًا فيطرده من العمل ويحطم حياته وحياة أسرته، كما فعل ذلك الطبيب.. ومن يدري كم من الوقت سيقتل في البحث عن عمل جديد. طرح الطبيب أمامه موضوع النزوح على طبق من ذهب.. ولم يتردد.. باع الأرض والبيت والزريبة والبقرة على الرغم من إعتراض أمه وصراخ زوجته، وحمل أسرته وصرة المال وأولاده الأربعة ( أصبحوا بعد ذلك ستة ) وسكن بيتًا في حي الطنابر بعد أن دفع من مقدم أجره ربع ما يحمل من مال

آه من هذه الزوجة.. ألم تستطع أن تمنع نفسها هذه المرّة من الحمل كما تفعل بقية النسوة؟.

لم يستطع أن يفاتحها أو يفاتح أمه في الموضوع.. ستصرخ كل منهما في وجهه: هذه جريمة.. إن الله يبعث بالطفل ويبعث برزقته معه.. ولكن رزق هذا الطفل الذي سيطل على الدنيا بعد ساعات لا يزال مخنوقًا في جيب أبي حمدي، فكيف يطلب دفعة أولى؟ وماذا يفعل إذا تمنع أبو حمدي عن الدفع؟.

يا فتاح يا عليم.. كل يوم وهمه معه....

في الأيام الأولى لنزوحه إلى المدينة شعر بفداحة الخطأ الذي ارتكبه يوم باع أملاكه في القرية وجاء يعيش حياة الضياع هذه في زحمة المدينة وضجيجها.. يحس انه يختنق وأنشوطة قاسية تلتف حول عنقه وهو يعمل في عيادة الطبيب عشر ساعات في اليوم ليعود ليلًا إلى البيت الذي تأكل أجرته نصف مرتبه، في حي الطنابر، ليرتمي على فراشه مثل القتيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت