الصفحة 3 من 58

كنت في تلك القافلة.. عبرنا النهر عائدين.. أما الأثقال الأخرى فقد ظلت هناك.. في الأرض المحتلة: الجثث والركام والصور التذكارية التي كانت معلقة على الجدران.. خرجت بجراحي النازفة، وبصورة حفرت في قاع رأسي لمازن وبقية الرفاق، يتهاوون قبلي في بحر الملح، وقد شدَّت رقابهم عنوة إلى حجر الطاحون..

لا تصدقوا كلام الشعراء..

لا تقولوا أن هذه الدماء التي تروي التراب ستورق أشجار الزيتون.. مات الزيتون في أرضنا منذ سنين طويلة.. وأصبح البرتقال - هل جاءكم حديث البيارات - مجرد كتل دائرية في الصناديق المصدرة إلى الغرب، موشومة بشارة العدو بالنجمة السداسية..

كان ذلك يوم العبور.. ولكن في المسار المعاكس.. من الغرب إلى الشرق.. كنت آخر فرسان القافلة التي عبرت.. عدت مقهورًا أقضم الشعارات و أعد جنازات الشهداء في المخيمات المقصوفة، والبيوت المنسوفة. والأراضي المحروقة .

عدت لأجالس سلمى، وانفراج ابتسامتها عن أسنانها التي صبغها الدخان ينقر عيني.. حتى ساقها العبلاء التي بدت من ثوب الحمام ، والتي كثيرًا ما اثارت شهوتي وأعصابي ، بدت كساق راقصة متقاعدة.. كانت تداعب شعري وتحاول أن تقنعني بعدم جدوى ما نفعل.. أنا ومازن والرفاق، وكنت أحاول أيامها أن أقنعها بدوري بأننا ما نزال نقفز إلى أعلى في الوقت الذي بدأنا نهوي فيه إلى بئر بعيدة القرار..

سأعترف.. ( هل جاء إعترافي متأخرًا ) ، بأننا نحن الذين أردنا هذه المهمة الصعبة عن اختيار وتصميم.. المهمة التي تعاورتها جيوش العرب، وكتائب الإنقاذ، وسرايا المتطوعة، وخلايا المقاومين.. أردناها مهمة فدائيين يخرجون من الصف إلى المواقع المتقدمة، ولكننا فوجئنا بأننا مطالبون بالكثير ونحن محشورون في قواعد ضيقة، ومحاصرة، بأن نفّتح الأزهار الربيعية على سطح الماء الآسن في بحيرة تمتد عبر الصحارى التي حولنا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت