الصفحة 4 من 58

مازن.. كان في موقع القدوة.. منذ سنين بعيدة وهو في هذا الميدان.. منذ أن كنا أطفالًا ينقسم صفنا إلى قسمين: العساكر واللصوص.. كان خير قائد للعساكر، وكم من مرة هزمنا، وكنت بين عساكر فئته - لصوص الحي المجاور

وكبرنا.. وكبرت همومنا..

دخلنا الجامعة وظل مازن في موقع القدوة.. وعندما أصبحنا معلمين، خيّل إلي أنه انتهى واحدًا من الذين يبحثون عن الرغيف واقفين أمام السبورة السوداء يستعيدون معلومات محفوظة أمام التلاميذ..

وفي يوم.. قذف مازن السبورة السوداء بقطعة الحوار، وخرج من المدرسة إلى غير رجعة، وخرجت بعده بأيام إلى حيث ذهب، إلى هناك.. كنت دائمًا تابعًا لظلّه الشجاع..

تسللنا تحت جنح الظلام.. عبرنا النهر بشجاعة على الرغم من البرد القارص.. وتغلغلنا بين صفوفهم.. أصبحنا تحت جلودهم، فجرّنا أنفسنا قبل أن نفجرّ القنابل.. تراكضوا أمامنا مذعورين في جميع الإتجاهات..

ماذا لو كانت الجراح في صدورنا - نحن أيضًا - التأمت؟. هل تموت القضيّة؟. آه لو تعرف سلمى كم هو مؤلم معنى اليأس في محاولة الإنسان القفز إلى أعلى وهو في حالة سقوط إلى بئر بعيدة القرار..

ماذا لو مات الصراخ في الصدور النحيلة والحناجر المتعبة؟. ماذا لو تركت دلال سعيد المغربي ورفاقها للزورق الذي تسللوا به في فجر ذلك اليوم البارد، مهمة صيد الأسماك فقط، ألايلعننا حتى السمك؟. ألا يلعننا أبناؤنا؟ ألا يستمر الحوت في مطاردتنا حتى يبتلعنا نحن والزورق؟.

ويمضي الزورق.. زورق من نوع جديد، لا كزوارق الصيد، ولا كزوارق خفر السواحل، ولا كيخوت الملوك والأمراء

كان يحمل الغضب.. والقنابل، وكان يحمل امرأة وأحد عشر رجلًا.. رموا همومهم الصغيرة بين مسارب المخيم، وخرجوا في مهمة صعبة، كان عليهم أن يصطادوا الحوت.. أن يشكوا خاصرته بالسهام.. أن يفجروا البارود في كيانه، أن يمنعوه من مطاردتهم.. أن يطاردوه هم بدل أن يطاردهم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت