فهرس الكتاب
وكانت تلك البداية.. صرفه بعدها الطبيب من العمل، وعينها بدلًا عنه مشرفة وسكرتيرة.. وظل عاطلًا عن العمل ستة أشهر صرف خلالها ما كان يدخره، قبل أن يتدبر له أبو رشيد، قريب جاره، عملًا معه في أحد أفران أبي حمدي.
كيف سيطلب من أبي حمدي سلفة جديدة على المرتب.. إنه لا يجرؤ حتى على الدخول إلى غرفته والوقوف بين يديه.. فهو يخشى أن يستبد به الغضب ويطرده من العمل..
ليس له أحد يحميه.. ليس له نقابة أو نظام ضمان إجتماعي.. لقد اشترط عليه أبو حمدي أن يتخلى عن جميع هذه الحقوق حتى يوافق على تشغيله في الفرن
تنبه إبراهيم إلى نفسه عند أول منعطف.. وشعر انه بحاجة لأن يشغل رأسه بأي شيء غير هذه الأصداء المتناوحة والأفكار التي تعذبه، في هذه الزاوية حيث يتفرع الطريق خاصم سائق باص الحي الشرقي لأنه رفض أن يقف لأثنين من الأطفال كاد البرد أن يجمد أطرافهما.. أما البيت الذي على الناصية فلا يمر أمامه إلا ويتذكر حادثته مع ساكنيه: كان عائدًا من العمل ليلًا، وعندما انعطف نحو الزقاق تناهى إلى أذنيه من ذلك البيت صراخ إمرأة تستغيث وتطلب النجدة، فما كان منه إلا أن اقتحم الباب ودخل ليجد رجلًا يضرب إمرأة شابة بقسوة ووحشية وهو يجرها من شعرها على بلاط الدار وقد استطاع إبراهيم أن ينقذها من بين يدي الرجل، ولكنه دفع ثمن ذلك ليلة باردة قضاها في ( النظارة ) لأنه تدخل في الشؤون الخاصة للناس، والتي لاتهم إلا أصحابها..
ومنذ تلك الليلة لم يعد يتدخل في حياة الناس، بدأ يسير في ظل الجدار و لايطلب إلا الستر... حتى حكاية نعيمة لم يجرؤ ان يرويها لأحد.. ولا لأبي رشيد.. إنه الوحيد الذي يعرف قصة نعيمة مع أبي حمدي..
إنها زوجة زميله أبي عايش الذي كان يعمل على العجانة... كان أبو عايش مريضًا، يشكو من الربو الذي إزداد معه بسبب تسرب ذرات الطحين إلى رئتيه وهو يفرغ كل يوم في المعجن عدة أكياس من الدقيق..