الصفحة 36 من 58

يشعر اليوم أنه انتهى من حيث كان عليه أن يبدأ.. فماذا بيده أن يصنع.. إنه عاجز تمامًا عن قلب مفهوم بدايته ونهايته في هذه المدينة التي تتقاذفه أزقتها وشوارعها وساحاتها وبناياتها وأناسها الذين يبدون أحيانًا حوله مثل العمالقة الأسطوريين وأحيانًا مثل الخيوط الملونة الرفيعة التي تنضفر أنشوطة تلتف حول عنقه لتخنقه...

وعندما اقترب من الفرن مرت إلى جانبه سيارة فارهة.. عرفها من لونها ومن وجه السائق.. ومن الراكبة في المقعد الخلفي..

إنها نعيمة...

واستفاق من ذهوله على صوت أبي رشيد وهو يربت كتفه بيده . التفت إليه وسأله:

-. هل رأيت ما رأيت؟.

-. وهل تستغرب؟.

-. إذن انت أيضًا تعرف القصة؟.

-. أجل..

-. ظننت اني الوحيد الذي أعرفها..

-. وماذا يبدل في الموضوع ان كنت تعرف القصة وحدك ام نعرفها معا ؟.

-. وماذا نفعل؟

-. لا نفعل أي شيء.. تعال معي.. لا يزال في الوقت متسع لبدء وردية العمل.. هنا مقهى قريب.. سأدعوك إلى فنجان من الشاي مع القرفة..

-. أريد أن أذهب إلى أبي حمدي واطلب منه سلفة.. زوجتي ستلد الآن

-. أبو حمدي مشغول الآن.. ألم ترّ الزائرة التي جاءته؟. تعال إلى المقهى، نرتاح قليلًا ونشرب الشاي ثم نذهب إلى الفرن..

لم يكن إبراهيم قد دخل مقهى منذ أن قدم المدينة.. فهو ليس من زبائن المقاهي، وليس لديه وقت يضيعه في المقهى، ولا هو مستعد لدفع نفقات إضافية، فوجئ بمقهى غريب من نوعه.. قال عنه أبو رشيد انه مقهى شعبي.. مقهى الدراويش.. صالة مستطيلة، ممتدة نحو الداخل، صفت فيها مقاعد جلدية مستطيلة ومتقابلة..

في آخر الصالة ملحق هو ديوان نصف دائري، صفت فيه بدوره مقاعد جلدية قديمة, وألصقت على الجدار الأيمن مجموعة من الصور الملونة تمثل الزير وعنترة وسيف بن ذي يزن.. في يمين كل منهم سيف مسلول، وتحته حصان أشهب، والغضب يتراقص على شواربهم المعقوصة.. والويل للاعداء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت