فهرس الكتاب
عند باب داره استقبلت إبراهيم الجارة أسماء بزغرودة ضعيفة سرعان ما اختلجت لتختنق في رقبتها الطويلة المعروقة: مبروك يا جارنا.. مبروك..
ودخل إبراهيم الغرفة، فأذا وزجته ممددة في الفراش بوجه أصفر شاحب، على شفتيها إبتسامة لا معنى لها وفي عينيها حكاية قديمة.. وكان في اللفائف التي إلى جانب الفراش خيطان جديدان نزلا حديثا إلى الدنيا الكبيرة.
السقوط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه هي المرة الثانية التي تتبدى فيها أمام عينيها صورة عنزتها (هرجة) التي كانت تحلب ضرعها في المعمورة، قريتها الغافية بين صخور الجبل الجنوبي في بلدها..
في المرة الأولى عندما كانت واقفة في شرفة برج (إيفيل) تطل منها على باريس.. أما المرة الثانية فهي الان، ويدها تمسك بكأسٍ مليئة بعصير الأناناس في (الامبايرستيت) .. ناطحة السحاب الشهيرة في نيويورك..
عندما وقفت في شرفة برج إيفيل لم يكن قد مضى عليها منذ أن خلفت وراءها مطار دمشق سوى شهر واحد.. ولهذا ضاع حنينها إلى العنزة والقرية والسهرة مع القمر على السطح في غمرة لهفتها على استقراء مظاهر ودقائق الحياة الجديدة التي انداحت في دوامتها، ولولا خاطر عابر في ذهنها وهي تزور كاتدرائية نوتردام في الصباح راسمًا صورة ( أزمير الدا وعنزتها ( التي قرأت عنها في رواية(احدب نوترام) لما بدت أمامها صورة عنزتها في باريس..
اما هنا، في الامبايرستيت، فإن أصابع يدها الممسكة بالكأس، هي التي تحدثت.. حدثتها عن نفسها يوم كانت الأصابع السمر القاسية، المصبوغة بالحناء، تمسك بضرع العنزة وتحلبه بخبرة ونشاط
وضحكت نايفة وهي ترى نفسها محاطة بمقصورة تسبح في هالة ضبابية حالمة تطل على ثلاث جزر يؤلف مجموعها هذه المدينة الأسطورية، عرفت الان مدى جهل أستاذ الجغرافيا الذي كان يحدث التلاميذ عنها في القرية فلا يتصورونها إلا بحجم ثلاث قرى متجاورة.