الصفحة 39 من 58

وعبثا حاولت نايفة أن تندمج بالموسيقى والضباب والجو الحالم، فقد استيقظ حنينها إلى القرية دفعة واحدة، وعجبت من نفسها كيف انتقلت من القرية إلى جامعة دمشق، ثم إلى جامعة طبية أخرى في مدينة الضجيج هذه لتدفع خمسين دولارًا وترضي فضولها بارتياد هذا المقصف، وحيدة إلى مائدة غريبة بين المتحلقين حول الموائد القليلة الأخرى.

ومرَّ نصف ساعة..

تقدم بعده من مائدتها شاب أشقر طويل يستأذن بالجلوس، فرفضت السماح له بذلك.. كان في عيني الشاب جرأة وقحة.. وتذكرت الذئب..

مرة.. في الجبل.. هاجم ذئب عنزتها (هرجة) .. هجمت عليه وضربته بعصا غليظة ضربة جعلته يهرب وهو يرسل عواء متقطعًا، منذ ذلك اليوم وهي تواجه الناس، والرجال بصورة خاصة، غير متوجسة ولا خائفة.. أما هذا الشاب، فلن يكون أشرس من الذئب.. رأته يتقدم نحوها مرة ثانية.. بدا لها وكأنه ثمل.. وعاد يستأذن بالجلوس.. فأذنت له..

قال لها: انت لست أمريكية.. ولست زنجية.. أليس كذلك؟. فأجابت ببرود: هذا سؤال سخيف..

-. أوه.. آسف...

وضحكت فلمعت عيناه.. هي تعلم أن ضحكتها أعجبته.. ان زوجة خالها (لطيفة) كانت تقول لها دائمًا: ولك تقبريني يا نايفة على هالضحكة..

وسألته: أنت لست إبن صاحب مصنع للسيارات أليس كذلك؟.

-. أنا ممثل من الدرجة الثانية.. هل تعرفين أن سمرتك جذابة؟

-. اعرف هذا؟.

-. وما سر هذه الجاذبية؟.

-. هذا السؤال أيضًا سخيف..

فانتفض رأسه مع انتفاضة يده: أوه.. سخيف.. سخيف اعتذر إذن.. انا لم أشرب كثيرًا، ولكني لست سعيدًا.. لقد سئمت الجلوس وحيدًا

-. ماذا أتيت تفعل في هذا المكان وحيدًا؟.

-. أشعر هنا أنني في مملكة الله..

-. لم أفهم قصدك

-. إن (جوان) تقول لي دائمًا: فتش عن مملكة الله..

-. مرة ثانية لم أفهم ما تقول.. من هي جوان هذه.. وأين ستفتش عن مملكة الله..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت