الصفحة 41 من 58

كان بلينكي يتكلم بسرعة وهو يحرك يديه وعينيه وكأنه على المسرح في الضاحية الشرقية.. ولم تستطع نايفة أن تستوعب جميع ما قال، ولكنها ظلت تتساءل: مادام هذا موضوع المسرحية، فما الداعي لأن تكشف جوان عن فخذيها في أكثر مشاهد المسرحية؟.

وراحت نايفة تفكر، وهي تتأمل بلينكي، في هذا النموذج من أناس الدنيا الجديدة، عندما قطع عليها حبل تفكيرها بقوله: انني افتش عن مملكة الله لأ تجرد من الرغبة في الأشياء الصغيرة، وهذا ما لا أستطيع أن أفعله على المسرح، فالجمهور والأضواء وصوت المدير خلف الكواليس، كلها أشياء تضعني في واقع متعب لدرجة الإعياء.

-. ولكن لماذا تريد أن تتجرد من الأشياء الصغيرة؟.

-. لم أجد فيها سعادة.. حتى وجهك الأسمر الجميل أشعر أنه بعيد عني.. لا.. لا تظني أنني أقول هذا بخبث.. أنا أحترمك لأنك تستمعين إلي..

-. ما الذي يتعسك على التحديد؟. لماذا لا تسعد نفسك؟.

-. لا أستطيع.. لا يستطيع أي إنسان في هذه المدينة كلها ان يسعد.. إن صديقي الدكتور هومر، وهو طبيب نفساني يقول لي: في حياتك فراغ يجب أن تملأه؟

-. ولماذا لا تحاول أن تملأه؟.

-. بماذا أملؤه؟.

-. الحياة في بلادكم غنية جدًا بما يمكن أن يملأ به الإنسان فراغ نهاره وليله

قال بلينكي ونبرة أسى تبدو جلية في صوته: لقد جربت كل شيء، وعبثًا كنت افتش عن السعادة..

قالت نايفة: ما عليك إذن إلا أن تحلب العنزة..

تساءل دهشًا: ماذا تقولين!.

قالت نايفة وهي تضحك: لا شيء.. نصيحة سخيفة...

عندما ذهب بلينكي بدأت صور القرية تسرق نايفة من واقعها مجددًا، وراحت معها في استقراء داخلي لمعنى السعادة التي كانت تعيشها، تشعر بها وهي تحلب ضرع عنزتها ( هرجة ) .. ولمعنى السعادة التي يفتقدها بلينكي في نيويورك في أعلى ناطحات السحاب فيها..

وعندما كان المصعد يهبط بنايفة وببعض رواد المقصف إلى الطابق الأرضي، كانت تشعر انها الوحيدة التي تتجه إلى أعلى.

المدار الجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت