فهرس الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إني أختنق..
ضيق متعب يشد أضلاع صدري إلى الداخل.. خيبة كبيرة أحسها دوامة عنيفة انداح فيها بيأس، والعينان الآسرتان في وجه خطيبتي (هالة) تلوح فيهما سخرية حادة..
هناك لم أكن هكذا.. وأحلامي كانت تقطع كل المفازات وتتحدى جبالًا وتلالًا وسهوبًا، وتظل في إطلالة عالية كصهيل الجواد المتمرد وقد حطم عناد قمة..
أشعر اليوم أنني انتهيت من حيث كان علي ان أبدأ.. انني عاجز تمامًا عن قلب مفهوم بدايتي ونهايتي في مدينتي هذه الكبيرة التي أضاعتني.. أنا لست بطلًا فيها..
هناك قالوا عني انني بطل، ولكن للبطولة هنا مفهومًا آخر، لا أصلح له وفي رأسي هذه الأفكار التي تومض بشدة..
مدينتي بدأت تخيفني.. تثير الملل في نفسي.. تشعرني بضياع كبير لا أجد منفذًا للتخلص منه، لم تكن هكذا قبل أن اغادرها إلى هناك.. كانت في نظري عجوزًا فاتنة، أفتن من الصبايا
لم أكن أعرف حقيقتها قبلًا.. كنت ألتقي بعض أناسها في أحد الأماكن أو ألقاهم مجتمعين في المقهى يقتلون الوقت- وأنا بينهم- في الثرثرة، فأجد في هذه تسلية ما بعدها تسلية..
أبي أخطأ في تدليلي.. هذا ما ادركته الآن، وكذلك أمي، واختي سميحة، والمدينة التي أثارت فيّ هذا الملل تذكرني ببداية سابقة مضادة في المفهوم والمسار الذي سلكته.. كان ذلك بداية وعيي حقيقة المدينة وحقيقة الحياة يوم غادرتها إلى الخطوط الأمامية على الحدود
البداية.. يوم وقف والدي الكهل بقامة منتصبة في المحطة قبل ان أصعد إلى القطار، يشد على يدي ويقول: هذه الأرض قد رعتك يا ولدي حتى أصبحت هذا الرجل الذي يقف أمامي، لقد كان لي قبلك شرف اداء خدمة العلم، وكنت دائمًا أعرف واجبي، وعليك أنت أن تعرف واجبك في حياتك الجديدة.